هل تنجح إقامة دولة درزية مستقلة في جنوب سوريا؟ تحديات سياسية واقتصادية تهدد المشروع

تواجه فكرة إقامة دولة درزية مستقلة في جنوب سوريا عقبات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، في ظل محدودية الموارد الطبيعية وشح المياه والعزلة الاقتصادية، فضلًا عن غياب الدعم الإقليمي والدولي الكافي، وفق تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية، تناول مستقبل محافظة السويداء واحتمالات استقلالها عن سوريا.

واستبعد آدم دهسابزي، الباحث في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية، نجاح مشروع إقامة دولة درزية مستقلة في السويداء، معتبرًا أن ضعف مقومات الاستقلال الاقتصادي وتعقيدات المشهد الإقليمي قد تجعل هذا الخيار صعب التحقيق، رغم خروج المحافظة عن سيطرة الحكومة السورية الانتقالية عقب أحداث العنف التي شهدتها في يوليو/تموز 2025.

مستقبل السويداء بين الاستقلال والحكم الذاتي

أشار التحليل إلى أن مستقبل السويداء يظل مفتوحًا على عدة احتمالات، تشمل الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الاندماج مع دولة أخرى، وهي خيارات سبق أن طرحها الزعيم الروحي الدرزي حكمت الهجري في بيان بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لأحداث المحافظة.

لكن الكاتب يرى أن تحقيق هذه السيناريوهات يصطدم بعوامل جغرافية واقتصادية وسياسية، تجعل استمرار السويداء كدولة مستقلة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل غياب اعتراف دولي أو دعم خارجي واضح لمشروع الانفصال.

وتتولى جماعة «الحرس الوطني»، وهي تشكيل شبه عسكري درزي يقوده الهجري، إدارة المحافظة بصورة مستقلة عن الحكومة المركزية منذ انسحاب القوات الحكومية عقب مواجهات يوليو/تموز 2025، وفق ما أورده التحليل.

أحداث العنف في سوريا وتداعياتها على الأقليات

تناول التقرير أوضاع الأقليات في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، مشيرًا إلى أن النظام السابق استخدم خطاب حماية الأقليات الدينية لتبرير استمرار حكمه، من خلال تقديم نفسه بوصفه الطرف القادر على حمايتها من الجماعات المعارضة ذات التوجهات الإسلامية.

وبحسب التحليل، شهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس في مارس/آذار 2025 موجة عنف استهدفت العلويين، عقب كمين نصبته مجموعات مرتبطة ببقايا النظام السابق لقوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية. وأعقبت ذلك حملة عنيفة شاركت فيها قوات حكومية ومجموعات غير حكومية، أسفرت، وفق الأرقام التي أوردها المقال، عن مقتل ما لا يقل عن 1400 علوي.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه، اندلعت مواجهات في السويداء بدأت بحادثة سطو ومواجهة عند نقطة تفتيش، قبل أن تتطور إلى عمليات خطف متبادلة بين جماعات مسلحة درزية ومسلحين من العشائر البدوية السنية.

وتصاعدت الاشتباكات بعد تدخل قوات الحكومة الانتقالية إلى جانب العشائر البدوية، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، إذ أشار التقرير إلى مقتل ما يصل إلى 1700 مدني، معظمهم من الدروز، بالتزامن مع شن “إسرائيل” غارات جوية قالت إنها جاءت دعمًا للدروز.

لماذا يصعب قيام دولة درزية مستقلة في السويداء؟

يرى دهسابزي أن ضعف الموارد الطبيعية ومحدودية الإنتاج الزراعي وشح المياه تمثل أبرز العقبات أمام إقامة دولة درزية مستقلة في جنوب سوريا.

وأوضح أن السويداء تفتقر إلى المقومات الاقتصادية التي تتمتع بها مناطق سورية أخرى، مثل المناطق الساحلية التي تمتلك بنية تحتية حديثة ومنافذ بحرية، ومناطق شمال شرقي البلاد التي تضم احتياطيات من النفط والغاز.

في المقابل، تعاني السويداء، وفق التحليل، من طبيعة جغرافية جافة وشبه قاحلة، مع محدودية الموارد القابلة للتصدير وعدم توافر مياه كافية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي يضعف قدرتها على بناء اقتصاد مستقل ومستدام.

كما أشار الكاتب إلى أن محدودية الفرص التعليمية والاقتصادية دفعت كثيرًا من أبناء الطائفة الدرزية إلى الانتقال إلى دمشق على مدى عقود، سواء لاستكمال دراستهم الجامعية أو للالتحاق بالمؤسسة العسكرية.

وأضاف أن الدروز لا يتركزون جميعًا في السويداء، رغم كونها المحافظة السورية الوحيدة ذات الأغلبية الدرزية، إذ يعيش عدد كبير منهم في دمشق وإدلب وجبل الشيخ.

الأردن ولبنان و”إسرائيل”.. حسابات إقليمية معقدة

لا تقتصر التحديات التي تواجه مشروع استقلال السويداء على العوامل الاقتصادية، بل تمتد إلى مواقف الدول المجاورة والحسابات الإقليمية المرتبطة بوحدة الأراضي السورية.

وبحسب التحليل، قد تنظر الأردن إلى قيام دولة درزية مستقلة على حدودها باعتباره تطورًا يهدد مصالحها الجغرافية، خصوصًا فيما يتعلق بالوصول المباشر إلى دمشق، فضلًا عن المخاوف من تحول المنطقة إلى مركز لنشاط شبكات تهريب المخدرات.

أما في لبنان، فيحذر الكاتب من أن تقسيم سوريا أو إنشاء كيان سياسي مستقل على أساس طائفي قد ينعكس سلبًا على التوازنات الطائفية الداخلية، ويزيد المخاوف المرتبطة بوحدة الأراضي اللبنانية.

وفيما يتعلق بـ “إسرائيل”، يميز التقرير بين دعمها للهجري والحرس الوطني وبين تأييدها إقامة دولة درزية مستقلة، مشيرًا إلى أن تقديم الدعم السياسي أو الإعلامي أو المالي لا يعني بالضرورة تبني مشروع الانفصال.

كما تناول التحليل مقترحًا منسوبًا إلى الهجري بشأن دمج السويداء بـ “إسرائيل” ضمن إطارها الاستراتيجي، معتبرًا أن تطبيق هذا التصور قد يفرض تحديات إضافية، نظرًا إلى الموقع الجغرافي لمحافظة درعا، الواقعة بين مرتفعات الجولان والسويداء، وما قد يترتب على أي توسع إسرائيلي من تداعيات سكانية وأمنية معقدة.

الحرس الوطني وعلاقته ببقايا نظام الأسد

تطرق التحليل إلى علاقة حكمت الهجري بالنظام السوري السابق، مشيرًا إلى أنه دعمه خلال سنوات الحرب الأهلية، وأن عددًا من أفراد الأجهزة الأمنية السابقة لجؤوا إلى السويداء عقب انهيار النظام.

وذكر الكاتب أن أكثر من نصف قيادات الحرس الوطني، بحسب مصادر استند إليها المقال، هم ضباط كبار سابقون في نظام الأسد، ومن بينهم طلال عامر، المتحدث باسم الجماعة، وجهاد الغوطاني، الذي خدم في الفرقة الرابعة التابعة للجيش السوري السابق.

ويرى التقرير أن هذه الروابط، إلى جانب طبيعة الإدارة المحلية في السويداء، تثير تساؤلات بشأن مستقبل الحكم في المحافظة، ومدى قدرة القيادة الحالية على توفير مشاركة سياسية أوسع وفرص اقتصادية للسكان، ولا سيما فئة الشباب.

تهريب المخدرات والأزمة الاقتصادية في السويداء

حذر التحليل من أن استمرار العزلة الاقتصادية وغياب فرص العمل قد يدفع السويداء إلى مزيد من التدهور، مع تزايد الاعتماد على الأنشطة غير المشروعة كمصدر للدخل.

وأشار إلى أن شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والوقود والكحول باتت جزءًا من النشاط الاقتصادي في المنطقة، مضيفًا أن شبكات تهريب الكبتاغون التي نشطت خلال حكم الأسد انتقلت، بحسب المقال، إلى السويداء بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الانتقالية ضد إنتاج هذه المواد ونقلها.

واعتبر الكاتب أن استمرار هذه الأنشطة قد يؤدي إلى نشوء كيان محدود القدرات الاقتصادية، يعتمد على التهريب بدلًا من بناء مؤسسات إنتاجية مستدامة، في ظل ضعف فرص الاستثمار والتنمية.

هل تستعيد الحكومة السورية السيطرة على السويداء؟

يرجح دهسابزي أن أمام الحكومة السورية عدة خيارات للتعامل مع الوضع في السويداء، لكنه يرى أن استعادة السيطرة العسكرية على المحافظة قد تكون مكلفة، خصوصًا في ظل احتمال تدخل “إسرائيل” واستمرار تداعيات سنوات الحرب والدمار.

وطرح الكاتب احتمال انتظار دمشق حدوث تغيرات داخلية في المحافظة، مع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع فرص الحراك أمام الشباب، بما قد يؤدي إلى احتجاجات ضد قيادة الهجري والحرس الوطني.

واستشهد التقرير بتعذر تقدم أكثر من 13 ألف طالب من طلاب المرحلة الثانوية في السويداء للامتحانات الوطنية في دمشق خلال يونيو/حزيران 2026، وهو ما أثار احتجاجات محلية، في حين لم تتضح الجهة المسؤولة عن منعهم من السفر، وفق المقال.

وحدة سوريا ومشاركة الدروز في الحياة السياسية

أكد التحليل أن الروابط التاريخية بين المجتمع الدرزي والقومية السورية والعربية ومناهضة الاستعمار تمثل عنصرًا مهمًا في النقاش حول مستقبل السويداء، مشيرًا إلى أن هذه الخلفية تدعم لدى قطاعات من الدروز أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

ودعا الكاتب الحكومة الانتقالية إلى بناء دولة جامعة تضمن مشاركة مختلف المكونات، ومواجهة المخاوف من تهميش الأقليات الدينية أو إقصائها في مرحلة ما بعد نظام الأسد.

كما أشار إلى وجود ثلاثة مقاعد مخصصة لمحافظة السويداء في مجلس الشعب السوري المعاد افتتاحه، لا تزال شاغرة.

خلاصة: استقلال السويداء يواجه عقبات كبيرة

خلص تحليل «ناشونال إنتريست» إلى أن فرص إقامة دولة درزية مستقلة في جنوب سوريا تظل محدودة، بسبب ضعف الموارد الاقتصادية وشح المياه والعزلة الجغرافية، إلى جانب غياب الدعم الدولي والتحفظات الإقليمية.

ويرى الكاتب أن مستقبل السويداء قد يتحدد بدرجة كبيرة وفق تطورات الأوضاع الداخلية، وقدرة الحكومة السورية على بناء نظام سياسي أكثر شمولًا، ومدى نجاح القيادة المحلية في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وبحسب هذا التقييم، فإن تعزيز الاستقرار وتحسين الظروف المعيشية وتوسيع المشاركة السياسية قد تكون عوامل حاسمة في تحديد مستقبل المحافظة، في حين يظل الانفصال عن سوريا خيارًا يواجه تحديات يصعب تجاوزها في الظروف الراهنة.

إقرأ أيضاً: نتنياهو يتحدث عن اتصال «حاد» مع الشرع خلال أحداث السويداء في تموز 2025

إقرأ أيضاً: 84 توغلاً إسرائيلياً في جنوب سوريا خلال النصف الأول من تشرين الأول

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.