دراسة جديدة لتعرفة النقل في دمشق وسط أزمة “الفراطة”

لم تعد أجرة النقل في دمشق وريفها مجرد رقم يُدفع عند الصعود إلى الحافلة؛ فقد تحولت «الفراطة» نفسها إلى مشكلة يومية تكشف ارتباك السوق النقدية، في وقت تحاول فيه الحكومة معالجة تداعيات الفئات النقدية الجديدة بإعادة دراسة تعرفة النقل العام.

وتعمل المؤسسة العامة لنقل الركاب على مراجعة أجور الخطوط بما يتلاءم مع الفئات النقدية المتداولة، ولا سيما بعد غياب فئة الخمس ليرات، مع مراعاة طول الخط وتكاليف المحروقات والصيانة وقطع الغيار. لكن خلف هذه المعالجة التقنية تقف مشكلة أكبر: مواطن يواجه أجوراً تتغير، ودخلاً لا يواكب تكاليف المعيشة، ونظام نقل لا يزال عاجزاً عن توفير استقرار واضح في الخدمة والتسعير.

تعرفة بلا كسور.. ولكن بأي كلفة؟

مدير المؤسسة العامة لنقل الركاب عمر قطان أوضح أن الدراسة تستهدف الوصول إلى أجور صحيحة خالية من الكسور، مع تقسيم الخطوط إلى شرائح قصيرة ومتوسطة وطويلة وفق المسافة والتكاليف التشغيلية.

ولا يعني ذلك، بحسب المؤسسة، فرض أجرة واحدة على جميع الخطوط، بل توحيد آلية الحساب وجبر الكسور ضمن كل شريحة. كما تنسق المؤسسة مع وزارة المالية والجهات النقدية المختصة لضمان انسجام التعرفة الجديدة مع واقع التداول النقدي.

ومن المفترض، بعد اعتماد الأجور، إلزام السائقين بوضع تعرفة واضحة داخل المركبات، فيما تتولى دوريات مشتركة مع شرطة المرور مراقبة الالتزام بها وفرض المخالفات بحق المتجاوزين.

لكن المشكلة أن ضبط الرقم لا يعني بالضرورة ضبط السوق. فحين يصبح المواطن عاجزاً عن تأمين قيمة الأجرة، أو حين يتحول البحث عن فئات نقدية صغيرة إلى جزء من رحلة يومية شاقة، فإن الأزمة تتجاوز «جبر الكسور» إلى القدرة على تحمل كلفة التنقل نفسها.

«الفراطة».. أزمة صغيرة لاقتصاد أكبر

يقول سائقون وركاب إن غياب الفئات الصغيرة يخلق احتكاكات متكررة. وقد يضطر السائق إلى البحث عن الباقي لدى سائق آخر أو متجر قريب، بينما يتنازل الراكب أحياناً عن جزء من حقه لعدم توفر الفئات المناسبة.

ويشير سائق على خط جديدة عرطوز إلى أن المشكلة تضغط على الطرفين، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المحروقات والزيوت والإطارات والصيانة.

أما الركاب، فيطالبون بأن تكون الأجرة متناسبة مع المسافة ومعلنة بوضوح، لأن غياب التعرفة الواضحة يفتح الباب أمام الاجتهادات والخلافات داخل المركبات.

دراسة جديدة.. والمشكلة أقدم من «الفراطة»

تحاول الحكومة السورية الانتقالية معالجة إحدى نتائج التحول النقدي عبر تعديل تعرفة النقل، لكن ترك المشكلة تصل إلى هذه المرحلة يعكس ضعفاً في التخطيط المسبق للانتقال النقدي وانعكاساته على الخدمات اليومية.

فالقرار الذي ينجح في إزالة الكسور من الأجرة قد يفشل في معالجة أصل الأزمة إذا لم يرافقه تحسين فعلي للخدمة، وضبط تكاليف التشغيل، ومراقبة حقيقية للسوق، وحماية قدرة المواطن الشرائية.

وبينما تدرس المؤسسة تقسيم الخطوط وفق شرائح سعرية، يبقى السؤال الأهم خارج جدول الحساب: هل ستكون التعرفة الجديدة رقماً أسهل في الدفع فقط، أم أجرة يستطيع السوري دفعها من دون أن تصبح رحلة الذهاب إلى عمله أو منزله عبئاً إضافياً على ميزانية أنهكتها الأسعار؟

في دمشق، قد تختفي مشكلة «الفراطة» قريباً، لكن أزمة النقل نفسها لن تختفي بمجرد أن تصبح الأرقام أكثر أناقة.

اقرأ أيضاً: استبدال السرافيس والتكاسي وباصات كهربائية جديدة: خطة تطوير النقل العام في سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.