السلاح المنفلت في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي ومستقبل العدالة الانتقالية

عادت قضية السلاح المنفلت في سوريا لتتصدر قائمة التحديات الأمنية المرتبطة بضبط السلم والأمن الداخلي، خاصة بعد سلسلة الاشتباكات الأهلية الأخيرة التي شهدتها مناطق ريف دمشق. وتكشف هذه الأحداث عن عمق الأزمة التي تواجهها البلاد في ضبط المجموعات المسلحة وحماية المدنيين في مرحلة انتقالية.

اشتباكات الغزلانية وزاكية: مؤشرات مقلقة بريف دمشق

شهدت منطقة الغزلانية في الغوطة الشرقية بريف دمشق، نهاية يونيو/حزيران الماضي، اشتباكات أهلية عنيفة استدعت تدخل قوات أمنية كبيرة وفرض حظر تجوال للسيطرة على كثافة النيران المستخدمة بين المجموعات المتنازعة.

ولم تكن هذه الحادثة معزولة، إذ سبقتها في الشهر ذاته مواجهات مماثلة في منطقة زاكية التابعة للكسوة بريف دمشق، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى إثر خلافات عائلية وعشائرية استُخدمت فيها القنابل والأسلحة الرشاشة، مما يسلط الضوء على خطورة غياب الإجراءات الرادعة لجمع السلاح.

المفهوم القانوني للسلاح المنفلت في التشريع السوري

يعرّف القانونيون “السلاح المنفلت” بأنه كل سلاح ناري أو عسكري يوجد خارج الإطار القانوني للدولة، سواء كان بحوزة أفراد أو تشكيلات لا تستند إلى تفويض رسمي من السلطات المختصة.

المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 2001 (المعدل بالقانون رقم 14 لعام 2022): ينظم هذا القانون حيازة وحمل الأسلحة في سوريا، وتشهد تعديلاته الأخيرة تشديداً كبيراً في عقوبات الاتجار بالأسلحة أو حيازتها واستخدامها بصورة غير مشروعة. كما تحظر المادة 11 منه تماماً استخدام السلاح -حتى المرخص- في المناطق السكنية، التجمعات، المحاكم، والمناطق النفطية والصناعية.

ويرى خبراء في القانون الجنائي الدولي أن تفعيل هذه الأحكام ضمن آلية واضحة بات ضرورة ملحة لاستعادة مبدأ “احتكار الدولة لاستخدام القوة”.

خريطة انتشار السلاح: تحديات أمنية وسياسية وعشائرية

أنتجت سنوات الحرب السورية واقعاً أمنياً معقداً أدى إلى انتشار الأسلحة بين مختلف فئات المجتمع بعد سقوط النظام السابق. وتتوزع مخاطر هذا الانتشار على عدة جبهات:

  • شبكات الجريمة المنظمة: تُستغل الفوضى المسلحة من قبل عصابات الخطف والابتزاز والتهريب والاتجار بالمخدرات لفرض نفوذها.

  • سلاح الفصائل غير المنضبطة: ما تزال كميات كبيرة من السلاح بيد فصائل لم تستكمل اندماجها بالكامل، وتحول بعضها نحو أنشطة غير مشروعة كالنسخ والسلب، مما دفع وزارتي الدفاع والداخلية لملاحقتهم قضائياً.

  • السلاح العشائري: يمثل السلاح في أيدي العشائر تحدياً كبيراً لارتباطه بموروث اجتماعي متجذر، مما يتطلب تشريعات خاصة تراعي الخصوصية الاجتماعية السورية.

  • الأبعاد السياسية (السويداء ودمشق): يرى مراقبون سياسيون أن السلاح المنفلت في السويداء اتخذ أبعاداً سياسية تُستغل لأجندات خارجية، في حين تواصل الأجهزة المختصة مراقبة تحركات خلايا النظام السابق ومحاولاتها لنقل وحيازة السلاح لزعزعة الاستقرار.

خطورة “عدالة الرصاص”: الإعدامات الميدانية باسم الانتقام

من أخطر الظواهر الناجمة عن فوضى السلاح الحالية هو ظهور مقاطع مصورة توثق إعدامات ميدانية في الشوارع والأماكن العامة بحق أفراد وُصفوا بأنهم من “فلول النظام السابق”، وذلك تحت شعار تحقيق العدالة الانتقالية.

ويحذر خبراء القانون من أن غياب الثقة بالمؤسسات والمخاوف الأمنية المستمرة يدفعان المدنيين للاحتفاظ بالسلاح كأداة “حماية ذاتية”، مما يحوّل مفهوم العدالة إلى عمليات انتقام عشوائية تغذي موجات العنف الداخلي.

حلول مقترحة: كيف يمكن نزع السلاح غير المشروّع؟

يتطلب عبور المرحلة الانتقالية بأمان حزمة من الإجراءات التنفيذية الصارمة، أبرزها:

  1. إطلاق برنامج وطني شامل: لجمع الأسلحة غير المشروعة عبر منح فترات زمنية محددة للتسليم الطوعي.

  2. تطبيق عقوبات رادعة: فرض عقوبات مشددة على كل من يرفض تسليم سلاحه بعد انتهاء المهلة.

  3. إصلاح القطاع الأمني: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ودمج العناصر المؤهلة ضمن مؤسسات الدولة الرسمية وفق برامج نزع السلاح (DDR).

إقرأ أيضاً: المشهد الأمني في سوريا: فوضى السلاح المنفلت، توغلات إسرائيلية، وتكتيكات انتحارية لـ داعش

إقرأ أيضاً: فوضى السلاح في سورية: قتلى وجرحى في موجة اغتيالات واشتباكات عائلية بمحافظات عدة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.