“إسرائيل” ترسم حدودها في جنوب سوريا.. حكومة دمشق الانتقالية عاجزة والمفاوضات تتآكل تحت وقع التوغلات

في الجنوب السوري، لا تتحرك الخرائط عبر الاتفاقات بقدر ما يعاد رسمها على الأرض. فبينما تتحدث حكومة دمشق الانتقالية عن مسارات تفاوضية وحلول سياسية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تثبيت حضوره العسكري جنوب سوريا، وكأنه يفرض واقعاً جديداً ينتظر الآخرين للاعتراف به، لا لمناقشته.

تصريحات وزير الحرب في جيش الاحتلال يسرائيل كاتس لم تحمل جديداً بقدر ما كرست سياسة قائمة منذ أشهر؛ بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في المناطق التي تسيطر عليها داخل سوريا ولبنان وقطاع غزة، باعتبارها “مناطق أمنية” لن تتخلى عنها في المستقبل المنظور.

موقف جاء ليبدد سريعاً التقارير التي تحدثت عن ضغوط أمريكية مارسها الرئيس دونالد ترامب على حكومة بنيامين نتنياهو لسحب هذه القوات.

بهذا الإعلان، بدا أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتعامل مع وجوده العسكري كإجراء مؤقت، بل كجزء من عقيدة أمنية جديدة تتجاوز حدودها التقليدية.

مفاوضات بلا أثر

في المقابل، تبدو حكومة دمشق الانتقالية أمام واحد من أكثر الملفات حساسية من دون أدوات حقيقية لتغييره. فمنذ الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة التي عقدت في باريس مطلع العام الجاري، دخل المسار التفاوضي حالة جمود كاملة، رغم الحديث آنذاك عن تفاهمات أولية برعاية أمريكية شملت وقف العمليات العسكرية وإنشاء آليات للتنسيق الأمني.

لكن تلك التفاهمات بقيت حبراً على الورق. فلا العمليات الإسرائيلية توقفت، ولا الجولات التفاوضية استؤنفت، فيما اكتفت الحكومة السورية بخطاب سياسي لا يوازي حجم التحولات الميدانية التي تتسارع على الأرض.

جنوب يعيش تحت الاحتلال اليومي

في القنيطرة وريف درعا، لم يعد الوجود الإسرائيلي مجرد خبر عابر أو تحرك عسكري مؤقت. فالتوغلات المتكررة، وإقامة الحواجز، وتجريف الأراضي الزراعية، وحملات التفتيش والاعتقال، تحولت إلى تفاصيل يومية يعيشها السكان، في مشهد يعكس انتقال السيطرة من العمليات العسكرية المحدودة إلى إدارة أمنية مستمرة للمناطق الحدودية.

ويتحدث الاحتلال الإسرائيلي باستمرار عن إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، بينما تتسع المسافة بين هذا الطرح وبين موقف دمشق التي تتمسك، نظرياً، بالانسحاب الكامل، من دون أن تملك حتى الآن أوراق ضغط فعلية تفرض هذا المطلب.

الفراغ يصنع الوقائع

اللافت أن هذا المشهد يتزامن مع انشغال الحكومة السورية الانتقالية بملفات داخلية معقدة، من إعادة الإعمار إلى الأزمات الاقتصادية والأمنية، في وقت تبدو فيه السياسة الخارجية عاجزة عن وقف التحولات التي يشهدها الجنوب.

ورغم اللقاء الذي جمع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة الناتو، لم يخرج أي موقف واضح بشأن الوجود الإسرائيلي، بينما انصب الاهتمام الأمريكي على ملفات أخرى، أبرزها رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما عكس تراجع أولوية ملف انسحاب الاحتلال على الأجندة الدولية.

وفي ظل هذا المشهد، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف حدودي قابل للتفاوض، بل اختباراً لقدرة الدولة السورية الجديدة على فرض سيادتها في مرحلة ما بعد الحرب. وحتى الآن، تبدو الكفة راجحة لصالح الوقائع التي تفرضها الدبابات على الأرض، لا البيانات التي تصدر من غرف السياسة. فالجنوب السوري يعيش اليوم بين احتلال يتوسع، ومفاوضات متوقفة، وحكومة انتقالية ما تزال تبحث عن مساحة تستطيع من خلالها استعادة ما خسرته الدولة قبل أن تخسر ما تبقى من قدرتها على التأثير.

 

اقرأ أيضاً: الاحتلال الإسرائيلي يبني مستشفى في بلدة قلعة جندل بجبل الشيخ وسط رفض محلي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.