أخطاء طبية في سوريا: حين يتحوّل العلاج إلى مخاطرة… وغياب المحاسبة يفتح باب الألم بلا نهاية

تتوالى في سوريا حوادث وأخطاء طبية صادمة تعيد فتح جرح قديم لا يلتئم… منظومة صحية مثقلة بالضغط، ورقابة متراخية، ومساءلة تكاد تكون غائبة. وبينما يفترض أن تكون المشافي مساحة لإنقاذ الحياة، تتسرب إلى الشارع قصص عن وفيات مفاجئة، ومضاعفات غير مبررة، وشبهات متكررة حول “الخطأ الطبي” دون مسار واضح للمحاسبة أو الشفافية.

وفيات غامضة تعيد ملف الأخطاء الطبية إلى الواجهة

في أحدث الحالات التي أثارت جدلاً واسعاً، توفيت الشابة الفلسطينية رنين شحادة (24 عاماً) بعد خضوعها لإجراء جراحي في مستشفى المجتهد بدمشق، إثر مضاعفات مرتبطة بخراج في الفك. وبينما تحدثت عائلتها عن شبهة خطأ طبي، أكدت إدارة المشفى أن الوفاة نتجت عن اختلاطات حادة في حالة طبية متقدمة تُعرف بـ”خناق لودفيغ”، مشيرة إلى اتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة.

ورغم التفسير الطبي الرسمي، لم تُغلق الأسئلة في الشارع، بل فتحت الباب أمام مطالب بتحقيقات مستقلة، في ظل تراكم روايات مشابهة لا تجد طريقها إلى حسم قضائي واضح.

فيديوهات غضب واتهامات متكررة داخل مشافي دمشق

حادثة أخرى انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت شاباً ينعى شقيقته داخل أحد مشافي دمشق، متهماً الطاقم الطبي بجرعة تخدير زائدة أدت إلى وفاتها. الحادثة، مثل غيرها، بقيت في دائرة الاتهامات المتبادلة دون نتائج تحقيقات معلنة للرأي العام، ما يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية.

حتى “التجميل البسيط” لم يسلم من التعقيد

قصص المرضى لا تتوقف عند العمليات المعقدة. إحدى الشابات تروي أنها خضعت لإجراء تجميلي بسيط لإحداث “غمازة”، قبل أن تتحول التجربة إلى مضاعفات مؤلمة والتهابات حادة نتيجة تدخل غير دقيق، بحسب روايتها، انتهت بزيارات متكررة لأطباء آخرين لعلاج النتائج. القصة، وإن بدت فردية، تعكس هشاشة الرقابة على بعض الممارسات الطبية خارج الإطار العلاجي الصارم.

تصاعد الشكاوى… وثقة تتآكل

نقابة أطباء دمشق تشير إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الشكاوى خلال السنوات الأخيرة، إذ سُجلت 182 شكوى في 2025، و53 شكوى خلال الأشهر الأولى من 2026 فقط. ورغم أن النقابة تفسر هذا الارتفاع بزيادة وعي المواطنين، إلا أن الأرقام في جوهرها تعكس أيضاً حالة احتقان متزايدة وثقة متآكلة بالمنظومة الطبية.

قانون موجود… لكن العدالة بطيئة

من الناحية القانونية، يُصنّف الخطأ الطبي كإهمال أو تقصير يخرج عن “الأصول الطبية المعتادة”، ويشترط لإثباته ثلاثة عناصر: الخطأ، الضرر، والعلاقة السببية. لكن عملياً، يبقى المسار القضائي معلقاً على تقارير لجان طبية داخلية، ما يجعل الوصول إلى حكم نهائي أمراً معقداً وبطيئاً في كثير من الحالات.

العقوبات، وفق القانون السوري، قد تتراوح بين الحبس في حالات التسبب غير المقصود بالوفاة أو الأذى، أو إجراءات تأديبية من النقابة تبدأ بالتنبيه وقد تصل إلى الشطب، لكن تطبيقها يبقى محكوماً بإثباتات طبية دقيقة غالباً ما تكون محل جدل.

منظومة تحت الضغط… ومساءلة غائبة

بين نقص الإمكانات، وتراجع التجهيزات، وضغط الحالات، تتداخل العوامل داخل المشافي السورية، لكن ما يفاقم الأزمة ليس فقط الواقع الصحي المتدهور، بل غياب آليات رقابة شفافة وسريعة، وبطء المحاسبة، ما يترك الكثير من الملفات مفتوحة دون حسم.

في المحصلة، لا تبدو القضية مجرد “أخطاء فردية”، بل انعكاساً لمنظومة صحية تعاني من اختلالات أعمق، حيث يتحول المرض في أحيان كثيرة إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، بدل أن يكون بداية للعلاج.

 

اقرأ أيضاً: القطاع الصحي في سوريا: إضرابات واحتجاجات واسعة تشل المشافي بسبب “أزمة الرواتب”

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.