صعوبة سحب الليرة عبر شام كاش.. حين يتحول سحب أموال السوريين إلى معاملة إضافية
بعد أيام من انتهاء مهلة استبدال الأوراق النقدية السورية القديمة، وتمديد العملية في المحافظات الشرقية، بدأت في حلب تظهر مشكلة جديدة لا تتعلق هذه المرة بتبديل العملة، بل بالوصول إليها.
مواطنون يستخدمون تطبيق «شام كاش» وجدوا أنفسهم أمام مفارقة لافتة: أرصدتهم مسجلة بالليرة السورية، لكن بعض مكاتب الصرافة لا تسلّمهم مستحقاتهم بالليرة، وتعرض عليهم السحب بالدولار فقط. وبين التطبيق الذي يفترض أن يختصر الطريق، ومكاتب الصرافة التي يفترض أن توفر السيولة، يقف المواطن أمام طريق ثالث: البحث عن وسيط، أو دفع عمولة، أو العودة من دون أمواله.
رصيد بالليرة.. وسحب بالدولار
بحسب شهادات جمعتها عنب بلدي من أربعة مواطنين في حلب، رفضت بعض مكاتب الصرافة تنفيذ عمليات سحب أرصدتهم بالليرة السورية عبر «شام كاش»، وأبلغتهم بأن السحب متاح بالدولار فقط.
ولا يبدو أن المشكلة ناتجة عن اختفاء الليرة السورية الجديدة من الأسواق؛ فهي ما تزال حاضرة في المعاملات اليومية. لكن العاملين في بعض مكاتب الصرافة أرجعوا تعذر تسليمها إلى صعوبات في سحب قيم الأرصدة من مصرف سوريا المركزي، وعدم القدرة على تأمين السيولة النقدية اللازمة.
وهكذا، يتحول المال الموجود على شاشة الهاتف إلى شيء آخر عند لحظة سحبه: رصيد متاح نظرياً، لكنه ليس متاحاً بالطريقة التي يحتاجها صاحبه فعلياً.
المفارقة تكشف خللاً أكبر في إدارة الانتقال النقدي؛ فبدلاً من أن يكون استبدال العملة خطوة تنظم السوق وتبسط التعاملات، تبدو آثاره في بعض الحالات وكأنها تنتج طبقات جديدة من التعقيد لا يدفع ثمنها سوى المواطن.
عمولة على حق الحصول على المال
مع استمرار المشكلة، ظهرت ممارسات أكثر إثارة للقلق. إذ أفاد مواطنون بأن بعض مكاتب الصرافة والوسطاء يتقاضون مبالغ إضافية مقابل تأمين الليرة السورية، فيما وصفها متضررون بأنها تحولت إلى نوع من «السمسرة» على السيولة.
وتراوحت العمولات، وفق شهادات حصلت عليها عنب بلدي، بين 150 و180 ليرة لكل 10 آلاف ليرة يجري سحبها.
قد تبدو الأرقام محدودة عند النظر إليها منفردة، لكنها تصبح عبئاً حين يتحول الحصول على المال نفسه إلى خدمة مدفوعة، خصوصاً بالنسبة إلى أصحاب الدخول المحدودة.
وفي بعض الحالات، يضطر المواطن إلى الانتقال نحو شركات تحويل وصرافة أكبر، مثل الهرم أو الفؤاد، حيث تكون فرص الحصول على الليرة أفضل. لكن ذلك لا يلغي المشكلة؛ فالمسافة والازدحام وغياب الفروع الكافية تجعل الوصول إلى هذه المراكز عبئاً إضافياً.
مشكلة قديمة تعود بثوب جديد
ليست هذه الشكاوى جديدة تماماً. فقد واجه معلمون في حلب خلال الفترة الماضية صعوبات مشابهة عند محاولة قبض رواتبهم عبر «شام كاش»، وسط شكاوى من رفض بعض مكاتب الصرافة تصريف الأرصدة أو فرض عمولات إضافية.
المشكلة هنا لا تتعلق بتطبيق بعينه بقدر ما تكشف فجوة بين القرار الإداري وآلية تنفيذه على الأرض. فالدفع الإلكتروني يفترض أن يختصر الطوابير ويقلل الاحتكاك النقدي، لكن عندما لا تكون شبكة الصرافة قادرة على توفير السيولة المطلوبة، يتحول التطبيق من أداة لتسهيل الوصول إلى المال إلى حلقة جديدة في سلسلة الانتظار.
ويبقى السؤال موجهاً إلى الحكومة السورية الانتقالية والجهات النقدية والرقابية: كيف يمكن إطلاق عمليات واسعة لتبديل العملة وتوسيع الاعتماد على الدفع الإلكتروني من دون ضمان وجود سيولة كافية وآلية موحدة وواضحة للسحب؟
المواطن لا يحتاج إلى تطبيق يخبره بأن أمواله موجودة، ثم يطلب منه البحث عن مكان يستطيع فيه الحصول عليها. ما يحتاجه ببساطة هو أن يتمكن من سحب ماله، بالعملة المسجلة في رصيده، من دون وسيط أو عمولة أو رحلة إضافية بين مكاتب الصرافة.
وفي اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والانهيار، لا تبدو هذه التفاصيل هامشية. فحين يصبح الوصول إلى النقد مشكلة، تصبح الثقة بالنظام المالي نفسه جزءاً من المشكلة.
اقرأ أيضاً: الحوالات المالية للمغتربين: شريان الحياة الاقتصادي والأسرية في سوريا