الحسكة بين التوتر وترتيبات الدمج.. تفاهمات مؤجلة أمام اختبار الواقع
لم تنجح التفاهمات السياسية حتى الآن في تبريد المشهد في شمال شرقي سوريا، إذ عاد التوتر إلى الواجهة في محافظة الحسكة ومناطق أخرى، بالتزامن مع تعثر ملف عودة المهجّرين الكرد وترتيبات دمج مؤسسات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وفي هذا السياق، ناقش قائد «قسد» مظلوم عبدي، مع المبعوث الرئاسي زياد العايش وقائد الفيلق الثاني عواد الجاسم، خلال اجتماع عقد أمس، تطورات الوضع الأمني في الحسكة والملفات المرتبطة باستقرارها، وفي مقدمتها الاعتداءات التي طالت مؤسسات الدولة وأوضاع المدنيين المهجّرين ومسار تنفيذ ترتيبات الدمج.
وقال عبدي، عبر حسابه على منصة «إكس»، إن الاجتماع انتهى إلى تفاهمات وحلول بشأن عدد من الملفات، معتبراً أن أجواء اللقاء أظهرت «توجهاً جدياً» لمعالجة القضايا العالقة.
عودة المهجّرين تعيد التوتر إلى الواجهة
جاء الاجتماع بعد موجة توتر بدأت على خلفية عودة عائلات كردية مهجّرة إلى مدينة رأس العين، ضمن ترتيبات جرت بالتنسيق مع الحكومة السورية الانتقالية.
وضمت أولى قوافل العودة أكثر من 400 عائلة، بعد سنوات طويلة من النزوح، قبل أن يتعرض عدد من المدنيين العائدين لاعتداءات، وفق مصادر محلية.
ولم تتوقف التداعيات عند رأس العين، إذ امتدت إلى الحسكة والقامشلي وعين العرب وتل تمر، حيث شهدت مناطق عدة احتجاجات وأعمال تخريب استهدفت مباني حكومية وأمنية، بالتزامن مع إنزال العلم السوري من بعض المواقع والاعتداء عليه.
وبدل أن تتحول عودة المهجّرين إلى اختبار لجدية الترتيبات السياسية، تحولت سريعاً إلى مصدر جديد للتوتر، في مشهد يكشف هشاشة الاتفاقات عندما تصطدم بتعقيدات الأرض وتراكمات سنوات الحرب.
الحكومة الانتقالية أمام اختبار السيطرة
تعاملت قوى الأمن الداخلي مع التطورات بفرض حظر تجوال مؤقت في عين العرب وملاحقة أشخاص متهمين بالمشاركة في أعمال التخريب، فيما أُعلن عن توقيف عدد من المتورطين في الحسكة.
كما عُلقت رحلات العودة إلى رأس العين مؤقتاً، بذريعة حماية المدنيين وضمان سلامتهم.
لكن هذه الإجراءات تعكس في جانب منها استمرار غياب صيغة أمنية واضحة وموحدة في المنطقة، وتطرح أسئلة صعبة أمام الحكومة السورية الانتقالية حول قدرتها على بسط نفوذ مؤسسات الدولة وحماية العائدين ومنع الاعتداء على الممتلكات والمؤسسات، دون أن تتحول كل أزمة محلية إلى مواجهة أمنية جديدة.
الدمج.. اتفاق على الورق وواقع مختلف
يبقى ملف الدمج الأكثر حساسية، إذ دعا عبدي إلى تسريع استكمال ترتيباته بالتوازي مع التهدئة والحفاظ على المؤسسات المدنية والأمنية.
غير أن تكرار التوترات يكشف أن الطريق إلى دمج فعلي لا يزال طويلاً، وأن الاتفاقات السياسية وحدها لا تكفي لإنتاج استقرار مستدام.
فما يجري في الحسكة ليس مجرد خلاف أمني عابر، بل نتيجة تراكمات سياسية وميدانية وقومية وإدارية لم تجد بعد إطاراً واضحاً لتسويتها. وبينما تتحدث دمشق عن إعادة تفعيل مؤسسات الدولة، لا تزال الوقائع على الأرض تشير إلى أن سلطة الدولة لم تتحول بعد إلى واقع مستقر في جميع المناطق.
وهكذا، تبدو تفاهمات الحسكة الجديدة أقرب إلى محاولة أخرى لاحتواء الأزمة، لا إلى حل نهائي لها؛ فيما يبقى المدنيون والمهجّرون في مقدمة من يدفعون ثمن بطء التسويات وعجز الأطراف عن تحويل الوعود السياسية إلى ترتيبات عملية تحسم شكل الدولة وحدود سلطتها.
اقرأ ايضاً: محادثات بين الشرع وعبدي في دمشق غداة زيارة بارزاني