الكهرباء في سوريا: تحسن في ساعات التغذية وفواتير متفاوتة تثير تساؤلات

رغم التحسن الواضح الذي شهدته خدمة الكهرباء في معظم مناطق دمشق وريفها خلال الأشهر الماضية، لا تزال قيمة الفواتير تشكل محوراً رئيسياً لشكاوى السوريين، في ظل تفاوت كبير بين المشتركين، حتى في الحالات التي تبدو فيها أنماط الاستهلاك متقاربة.

وباتت الكهرباء متوفرة في العاصمة وريفها لنحو 16 ساعة يومياً في المتوسط، وهو تحسن ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة التي اتسمت بساعات تقنين طويلة دفعت كثيراً من السوريين إلى الاعتماد على بدائل مكلفة لتأمين الطاقة.

تحسن في التغذية الكهربائية

أظهرت استطلاع رأي في عدد من أحياء دمشق وضواحيها، إضافة إلى مناطق في ريف دمشق، بينها وادي بردى، ومضايا، والزبداني، وبقين، وبلودان، إلى جانب بلدات جبل الشيخ وقطنا وعرطوز وجديدة عرطوز، أن معظم السكان يلمسون تحسناً واضحاً في ساعات وصل الكهرباء.

وقال عدد منهم إن فترات الانقطاع أصبحت قصيرة نسبياً، ولم تعد تؤثر على عمل الثلاجات أو حفظ المواد الغذائية كما كان يحدث في السابق، الأمر الذي انعكس إيجاباً على الحياة اليومية.

بدائل الكهرباء بقيت حكراً على القادرين

وخلال سنوات الحرب، لجأ السوريون إلى حلول بديلة لتعويض نقص الكهرباء الحكومية، من بينها أنظمة الطاقة الشمسية، وبطاريات الليثيوم، ومولدات الكهرباء العاملة بالبنزين أو المازوت، سواء في المنازل أو لدى المنشآت التجارية والصناعية والمطاعم والعيادات.

لكن هذه الخيارات ظلت بعيدة عن متناول معظم الأسر بسبب تكلفتها المرتفعة، في وقت تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

فواتير متباينة رغم تشابه الاستهلاك

ورغم التحسن في التغذية الكهربائية، فإن قيمة الفواتير لا تزال تثير استياء كثير من المشتركين، إذ رصد الموقع فروقات واسعة بين منزل وآخر.

ففي حين تجاوزت بعض الفواتير أربعة ملايين ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل نحو 400 ليرة سورية جديدة، لم تتجاوز فواتير منازل أخرى 100 ألف ليرة سورية قديمة للمنازل غير المأهولة، أو نحو 300 ألف ليرة سورية قديمة لبعض الأسر.

وقال مصطفى الحسن إن فاتورة الكهرباء الخاصة بمنزله بلغت أربعة ملايين ليرة سورية قديمة، معتبراً أن المبلغ يفوق قدرته على السداد.

وأوضح أنه يعمل على بسطة ولا يتجاوز دخله الشهري مليوني ليرة سورية، مضيفاً أن ما يجنيه يومياً يتراوح بين 60 و70 ألف ليرة، وهو ما يجعل دفع فاتورة بهذا الحجم أمراً غير ممكن بالنسبة له.

وفي حالة أخرى، قال أبو الهدى الأيوبي إن فاتورته تجاوزت 900 ألف ليرة سورية، مشيراً إلى أن ابنه المقيم في ألمانيا هو من يتولى تسديدها.

وأضاف أنه يعتمد على منظومة للطاقة الشمسية خلال ساعات انقطاع الكهرباء، بل يفصل الكهرباء الحكومية أحياناً، ورغم ذلك بقيت قيمة فاتورته مرتفعة، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً ممن يعرفهم لا يسددون الفواتير المستحقة عليهم.

في المقابل، أفاد عدد من المشتركين بأن فواتيرهم تراوحت بين 300 و500 ألف ليرة سورية.

وقالت أم خالد إن أول فاتورة وصلتها بعد تعديل التعرفة تجاوزت 800 ألف ليرة سورية، قبل أن تنخفض لاحقاً إلى ما بين 300 و500 ألف ليرة، رغم أن استهلاك جيرانها يبدو متشابهاً، بينما كانت فواتيرهم أعلى.

أجهزة منزلية متشابهة

وأظهرت الجولة أن معظم الأسر تستخدم الأجهزة المنزلية الأساسية نفسها، مثل الثلاجة والغسالة والفرن والمروحة والتلفاز وسخان المياه وأجهزة الإنارة وشواحن الهواتف.

في المقابل، لا يعتمد معظم السكان على أجهزة التدفئة الكهربائية أو مكيفات الهواء، إما لعدم توفرها أو بسبب استهلاكها المرتفع للطاقة.

مديرية الكهرباء توضح أسباب الفروقات

وقال مصدر في مديرية كهرباء ريف دمشق إن أحد أبرز أسباب اختلاف الفواتير يعود إلى أن بعض الاشتراكات ما زالت تعمل من دون عدادات فعلية، بعدما ركبت في فترات لم تكن العدادات متوفرة خلالها.

وأوضح أن هذه الاشتراكات يتم احتساب استهلاكها تقديرياً بمعدل 400 كيلوواط لكل دورة، بعدما كان التقدير السابق يبلغ 600 كيلوواط، مشيراً إلى أن قيمة الدورة الواحدة تبلغ 125 ألف ليرة سورية.

وأضاف أن عدم تسجيل قراءة العداد لدورتين متتاليتين يرفع قيمة الفاتورة إلى نحو 250 ألف ليرة سورية.

وأشار المصدر إلى أن فرق قراءة العدادات تعتمد على موظفين موزعين في المناطق، إضافة إلى نظام إلكتروني لا يستطيع تسجيل القراءة عند غياب التيار الكهربائي، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى اعتماد قراءة تقديرية بدلاً من القراءة الفعلية.

وبيّن أن التقدير في هذه الحالات يكون على أساس 400 كيلوواط بقيمة تبلغ 325 ألف ليرة سورية، وإذا استمر غياب القراءة لدورتين متتاليتين فقد تصل الفاتورة إلى 628 ألف ليرة سورية.

وأكد أن هذه المبالغ تُسوّى لاحقاً عند تسجيل القراءة الفعلية، إلا أن هذه الآلية تعد من أبرز الأسباب التي تفسر الفروقات الكبيرة بين المشتركين.

عوامل أخرى ترفع الاستهلاك

وأوضح المصدر أن استهلاك الكهرباء يرتفع بطبيعته خلال الشتاء مع استخدام أجهزة التدفئة، كما يزداد صيفاً بسبب تشغيل وسائل التبريد، ولا سيما الثلاجات والمكيفات.

وأضاف أن الثلاجات القديمة تستهلك كهرباء أكثر مع تراجع كفاءة العزل بمرور الزمن، داعياً إلى استخدام الأجهزة المصنفة ضمن الفئة A++ لما توفره من استهلاك للطاقة.

كما أشار إلى أنه لا يمكن إلغاء الفواتير السابقة، إلا أن بعض الحالات يمكن إعادة احتسابها أو ما يعرف بـ”تشريح الفاتورة”، بما يسمح للمشترك بالاستفادة من فروقات الشرائح والتعرفة وفق الأنظمة المعتمدة.

خبير: التعرفة ترتبط بكلفة الإنتاج ونظام الشرائح

من جانبه، قال مهندس الكهرباء سامر الحلبي إن رفع التعرفة جاء بهدف الاقتراب من الكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء والحد من العجز، بالتوازي مع اعتماد نظام الشرائح، الذي يؤدي إلى ارتفاع سعر الكيلوواط بمجرد تجاوز المشترك حداً معيناً من الاستهلاك.

وأضاف أن استخدام أجهزة كهربائية قديمة، مثل سخانات المياه والثلاجات والمدافئ، يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من الطاقة دون أن يلاحظ المستخدم ذلك بشكل مباشر.

كما اعتبر أن نظام التقنين نفسه يساهم في زيادة الاستهلاك، إذ يضطر كثير من المواطنين إلى تشغيل عدة أجهزة في وقت واحد خلال ساعات وصل التيار، وهو ما يرفع قراءة العداد بصورة سريعة وينعكس على قيمة الفاتورة.

وأشار الحلبي أيضاً إلى أن كثيراً من المنازل السورية ما تزال تعتمد على شبكات كهربائية داخلية وأسلاك وأنظمة إنارة قديمة تزيد من استهلاك الطاقة، معتبراً أن استبدال هذه التجهيزات ليس خياراً متاحاً لمعظم الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

وشدد على أن معالجة هذه المشكلة تتطلب اعتماد تعرفة تدريجية تراعي مستويات الدخل، بحيث لا تشكل فواتير الكهرباء عبئاً إضافياً على الأسر السورية، بالتوازي مع استمرار تحسين التغذية الكهربائية.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.