حرائق الحصاد تلتهم سهل الغاب.. موسم القمح يتحول إلى خسائر في سهل أنهكته الأزمات
تتسع رقعة الحرائق في منطقة سهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي مع دخول موسم الحصاد، في مشهد بات يتكرر كل عام تقريباً، لكنه هذه المرة يأتي وسط هشاشة زراعية متزايدة، وغياب بنية وقائية قادرة على حماية ما تبقى من سلة القمح السورية. وبينما يواصل الفلاحون حرق بقايا المحاصيل أو الاعتماد على معدات متهالكة، تتحول الحقول تدريجياً من مصدر رزق إلى مساحات رماد.
وبحسب المدير العام للهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب عبد العزيز القاسم، فقد بلغت المساحات الزراعية التي التهمتها النيران منذ بداية الموسم في 15 أيار نحو 248 دونماً، توزعت بين 200 دونم من القمح، و25 دونماً من الشعير، و18 دونماً من الجلبان، إضافة إلى 5 دونمات من الحمص، في خسائر تعكس هشاشة المنظومة الزراعية أمام عوامل تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها مكلفة في نتائجها.
حرق المخلفات ومعدات منهكة… دائرة خسائر متكررة
تشير المعطيات الرسمية إلى أن السبب الرئيسي لمعظم الحرائق يعود إلى حرق المخلفات الزراعية، وهي ممارسة يلجأ إليها عدد من المزارعين بهدف تنظيف الحقول استعداداً للموسم التالي، لكنها تتحول في ظل الجفاف والرياح وغياب الرقابة إلى شرارة تمتد بسرعة خارج السيطرة.
إلى جانب ذلك، تلعب الحصادات الزراعية دوراً محورياً في اندلاع الحرائق، نتيجة الأعطال الميكانيكية أو الكهربائية التي ترافق استخدامها في موسم الحصاد المكثف، في وقت تفتقر فيه العديد من الآليات إلى الصيانة الدورية أو تجهيزات السلامة الأساسية مثل طفايات الحريق.
وسُجلت خلال الموسم الحالي 10 حرائق مجهولة السبب، و4 حرائق ناتجة عن ماس كهربائي، إضافة إلى حالتي حريق بسبب خلل في الحصادات، ما يعكس مزيجاً من الإهمال البنيوي والظروف التشغيلية الصعبة.
خطة درء الحرائق… تقليل الخسائر لا منعها
رغم الحديث عن خطط وقائية، إلا أن الواقع الميداني يكشف أن الجهود تتركز على تقليل حجم الخسائر أكثر من منع وقوع الحرائق. وتقول الجهات المعنية إن خطة درء الحرائق أسهمت في الحد من توسع النيران عبر توزيع آليات الإطفاء، وتدريب فرق متخصصة، وتحسين سرعة الاستجابة عند الإبلاغ عن أي حريق.
كما ساهم التنسيق بين الدفاع المدني والجهات المحلية في تسريع التدخل، ما ساعد في احتواء العديد من الحرائق قبل تمددها إلى مساحات أوسع. لكن هذا “الاحتواء السريع” لا يلغي حقيقة أن أصل المشكلة لا يزال قائماً، وأن كل موسم حصاد يتحول إلى اختبار جديد لقدرة المنطقة على الصمود.
موسم زراعي على حافة الخسارة
في سهل الغاب، الذي يعد أحد أهم الأحواض الزراعية في سوريا، لا تبدو الحرائق مجرد حوادث موسمية، بل جزءاً من مشهد أوسع من التراجع الزراعي، حيث تتداخل الممارسات التقليدية مع ضعف الإمكانات وتهالك المعدات وغياب الحلول الجذرية.
ومع كل حريق جديد، تتآكل المساحات المزروعة بالقمح، وتزداد المخاوف من انعكاسات أوسع على الأمن الغذائي، في بلد يعتمد بشكل كبير على إنتاجه المحلي من الحبوب، وسط ظروف اقتصادية ومعيشية ضاغطة.
وبينما تتكرر الوعود بالإجراءات الوقائية، يبقى الواقع أقرب إلى إدارة الخسائر منه إلى منعها، في موسم يبدو فيه أن النار لا تلتهم الحقول فقط، بل تلتهم معها ما تبقى من قدرة الريف السوري على الاستمرار.
اقرأ أيضاً: حرائق الحسكة تلتهم آلاف الدونمات وتستمر 15 ساعة وسط تحديات خطوط التماس والألغام