العلاقات المصرية السورية: ملامح التقارب الدبلوماسي وتحفظات القاهرة

تشهد العلاقات المصرية السورية تحركات دبلوماسية مكثفة لاستعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل بين البلدين. وتأتي هذه التطورات بعد مرحلة انتقالية حاسمة شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، وتولي حكومة جديدة برئاسة أحمد الشرع إدارة البلاد، مما فتح الباب أمام إعادة صياغة شبكة العلاقات العربية والإقليمية لدمشق.

مرشح جديد لمنصب سفير سوريا في مصر

كشفت تقارير صحفية نشرتها صحيفة “الشرق الأوسط”، نقلاً عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية، عن مرونة واضحة من جانب دمشق في التعامل مع محددات القاهرة. فبعد تحفظ مصري غير رسمي على ترشيح “محمد طه الأحمد”، سارعت الخارجية السورية إلى تسمية “يحيى دياب” مرشحاً جديداً لمنصب السفير في القاهرة.

وجاءت هذه الخطوة استجابةً للرغبة المصرية، وتأكيداً من دمشق على دفع العلاقات الثنائية إلى آفاق أعمق وأرحب وتفكيك أي هواجس تراكمت خلال السنوات الماضية.

لقاء السيسي وأحمد الشرع: كسر الجمود الدبلوماسي

يعود الزخم الحالي في الملف الدبلوماسي إلى اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، في أواخر نيسان/أبريل الماضي، على هامش القمة التشاورية العربية – الأوروبية في قبرص.

  • شهد اللقاء “حديثاً ودياً” ركّز على تحريك ملف العلاقات.

  • أظهر الجانب السوري رغبة جادة في دفع مسار التعاون إلى الأمام.

  • جددت القاهرة موقفها الثابت والداعم لوحدة سوريا واستقرار مؤسساتها الوطنية.

تحفظات القاهرة ومحددات الانفتاح على دمشق

رغم الحرص المتبادل على استعادة العلاقات بعد انقطاع دام لأكثر من عقدين، إلا أن القاهرة تتحرك بحذر وموثوقية وفق محددات استراتيجية واضحة:

1. الموقف من تيارات الإسلام السياسي والتطرف

خاضت مصر على مدار العقد الماضي مواجهة مفتوحة مع جماعات الإسلام السياسي. لذا، تنظر القاهرة بحساسية شديدة إلى هوية وطبيعة الشخوص والمؤسسات في سوريا الجديدة. وتحرص اللقاءات المستمرة بين وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني على تفكيك هذه الملفات، والتركيز على:

  • تحييد العناصر التي تحوم حولها شبهات أيديولوجية متطرفة.

  • حسم ملف المقاتلين الأجانب.

  • ضمان بناء دولة وطنية جامعة بعيدة عن الانقسامات الطائفية.

2. استقلالية القرار السوري والتوازنات الإقليمية

تتطلع مصر إلى أن تكون دمشق ركيزة أساسية في منظومة الشرق الأوسط، بعيداً عن الوصاية الإقليمية من أي أطراف خارجية. كما تتابع القاهرة باهتمام المباحثات التي تجريها دمشق مع تل أبيب، ومدى انعكاسها على التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة في ظل التصعيد المستمر بين إسرائيل وإيران ووكلائها في المنطقة كـ “حزب الله” في لبنان.

رؤية القاهرة: لا ترى مصر في مجرد فتح السفارات وتبادل الدبلوماسيين هدفاً نهائياً، بل تسعى إلى صياغة “خارطة طريق” شاملة واختبار متدرج للسياسات والمواقف ومدى الالتزام بالاتفاقيات المشتركة.

لماذا تهتم دمشق بالعمق الاستراتيجي للقاهرة؟

تمثل العاصمة المصرية للقائمين على المشهد السوري الجديد بوابة رئيسية للاندماج العربي والدولي لعدة أسباب:

  • الثقل الإقليمي: تدرك دمشق أن ما تمتلكه القاهرة من خبرات سياسية يجعلها شريكاً قادراً على دعم استقرار المنطقة وصوتاً متوازناً في أزمات الشرق الأوسط.

  • الروابط التاريخية: تستند العلاقات إلى إرث ممتد منذ خمسينيات القرن الماضي، وتجربة الدم المشترك في حرب أكتوبر 1973.

  • بناء الشرعية الدولية: يمنح التقارب مع مصر فرصة لدمشق لترسيخ حضورها السياسي، وتقديم صورة واضحة ومطمئنة للعالم حول توجهاتها المستقبلية وصياغتها للعدالة الانتقالية والمواطنة الكاملة.

خلاصة

يمثل التوافق المرتقب على اسم السفير السوري الجديد في القاهرة اختباراً عملياً لإرادة البلدين في إدارة الملفات المشتركة بحساسية سياسية عالية. وفي حين تبدي دمشق مرونة لتفكيك الرواسب القديمة، تمضي مصر في هذا الانفتاح بخطى مدروسة تضمن أن يكون استقرار سوريا دعامة حقيقية للأمن القومي العربي والإقليمي.

إقرأ أيضاً: العلاقات السورية السعودية: هل تقترب دمشق والرياض من مراجعة هادئة أم قطيعة ناعمة؟

إقرأ ايضاً: بعد تحفظ القاهرة على مرشحها الأول.. دمشق تدفع باسم جديد لرئاسة بعثتها الدبلوماسية في مصر

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.