انهيار زراعة القطن في سوريا.. هل تنجح الحكومة السورية في إنقاذ “الذهب الأبيض”؟

لم يكن القطن مجرد محصول زراعي في سوريا، بل كان لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، تبدأ حكايته في الحقول ولا تنتهي إلا في مصانع الغزل والنسيج وأسواق التصدير. اليوم، تبدو هذه السلسلة وقد فقدت معظم حلقاتها؛ فالمساحات المزروعة تقلصت، والمعامل تعمل بأقل من طاقتها، والمزارع بات ينظر إلى “الذهب الأبيض” بوصفه مغامرة خاسرة أكثر من كونه محصولاً استراتيجياً.

ورغم إعلان الحكومة السورية الانتقالية عن خطط لإحياء القطاع عبر برامج بحثية وتحسين وراثي، إلا أن الأزمة تبدو أعمق من أن تُعالج بالمختبرات وحدها، في ظل غياب منظومة اقتصادية قادرة على إعادة الثقة للمزارعين أو استعادة دورة الإنتاج التي انهارت خلال سنوات طويلة.

محصول استراتيجي… وسياسات عاجزة

قبل عام 2011 كان القطن أحد أبرز مصادر القطع الأجنبي، وأسهم بنسبة كبيرة من الصادرات الزراعية، بينما وفر قطاع الغزل والنسيج آلاف فرص العمل. لكن سنوات الحرب، والجفاف، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب عقود من سوء الإدارة والفساد التي خلّفها النظام المخلوع، دفعت هذا القطاع إلى حافة الانهيار.

ورغم تغير السلطة، لا تزال الحكومة السورية الانتقالية تتحرك بخطوات بطيئة أمام أزمة تتطلب قرارات اقتصادية جذرية، إذ لا تزال المساحات المزروعة محدودة، فيما يبقى توفير المياه والمحروقات والأسمدة والتسعير العادل رهناً بوعود لم تتحول بعد إلى واقع ملموس.

المزارع يدفع الثمن

تؤكد وزارة الزراعة أن الموسم الماضي لم يتجاوز نحو 2578 هكتاراً بإنتاج يقارب 5600 طن، وهي أرقام تعكس حجم التراجع مقارنة بما كان عليه هذا المحصول قبل سنوات.

ويواجه المزارعون اليوم معادلة قاسية؛ فتكلفة الإنتاج ترتفع بوتيرة أسرع من أي عائد محتمل، بينما يغيب التمويل الزراعي الفاعل، وتتأخر الأسعار التشجيعية، ما يدفع كثيرين إلى هجر القطن والتوجه نحو محاصيل أقل مخاطرة وأكثر ضماناً.

ويرى مختصون أن المشكلة لم تعد تقنية بقدر ما أصبحت اقتصادية، إذ لا يمكن مطالبة الفلاح بالعودة إلى زراعة القطن في ظل غياب سياسة تسويقية مستقرة وهوامش ربح واضحة.

الصناعة تبحث عن المادة الأولية

انعكس انهيار الإنتاج مباشرة على قطاع الغزل والنسيج، الذي بات يعتمد بدرجات متفاوتة على المواد المستوردة لتغطية احتياجاته، الأمر الذي رفع تكاليف الإنتاج وأضعف تنافسية المنتجات السورية.

وتحذر الأوساط الصناعية من أن استمرار هذا الواقع لا يهدد الزراعة وحدها، بل يضرب سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ بالمزارع وتنتهي بالمصنع والمستهلك، في وقت لا تزال فيه خطط إعادة تشغيل القطاع الصناعي تسير بوتيرة أبطأ من حجم الخسائر المتراكمة.

البحث العلمي وحده لا يكفي

تكشف وزارة الزراعة عن برنامج لتحسين الأصناف الوراثية واستنباط أنواع أكثر تحملاً للجفاف والتغيرات المناخية، إضافة إلى تطوير أصناف طويلة التيلة وعضوية وملونة تستهدف الأسواق العالمية.

ورغم أهمية هذه المشاريع، يؤكد خبراء أن نجاحها سيبقى محدوداً إذا لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية حقيقية، تشمل تسعيراً عادلاً، وتمويلاً زراعياً، وإعادة تأهيل شبكات الري والمحالج ومعامل الغزل، فضلاً عن توفير بيئة استثمارية مستقرة تشجع المنتجين والمصنعين على العودة إلى هذا القطاع.

أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة زراعة

يرى مختصون أن مستقبل القطن السوري لا يتوقف على إنتاج صنف جديد أو إدخال تقنية حديثة، بل على قدرة الحكومة السورية الانتقالية على بناء سياسة زراعية متكاملة تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط.

فاستمرار غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة، وتأخر تنفيذ الإصلاحات، وضعف الحوافز المقدمة للمزارعين، كلها عوامل تجعل الحديث عن استعادة المكانة التاريخية للقطن أقرب إلى الطموح منه إلى خطة قابلة للتحقق.

وبين حقول فقدت بريقها، ومعامل تنتظر المادة الأولية، ومزارعين ينسحبون عاماً بعد آخر، يبقى “الذهب الأبيض” واحداً من أكثر الملفات التي تختبر قدرة الحكومة الانتقالية على الانتقال من إعلان النوايا إلى صناعة نتائج حقيقية، قبل أن يتحول أحد أهم رموز الاقتصاد السوري إلى صفحة من الماضي.

 

اقرأ أيضاً: زراعة القطن في الحسكة بين ارتفاع التكاليف وأزمة المياه.. مستقبل المحصول على المحك

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.