بعد سقوط النظام.. كيف تتهيأ القواعد الروسية في الساحل السوري لأدوار غير عسكرية؟

تشهد أروقة السياسة والدبلوماسية بين موسكو ودمشق مباحثات مكثفة ومستمرة منذ سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، تتركز حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في الساحل السوري.

وتضغط روسيا، التي تعول كثيراً على قاعدتيها في اللاذقية وطرطوس كموطئ قدم استراتيجي وحيد لها في البحر الأبيض المتوسط، بكافة أوراقها السياسية لحمل الإدارة السورية الجديدة على قبول صيغة تضمن بقاء هذا الوجود، وهو ما أكدته وزارة الخارجية الروسية مؤخراً بإشارتها إلى نقاشات جارية لإعادة هيكلة محتملة لدور تلك المنشآت.

وفقاً لما أورد موقع “المدن” في تقرير له، فإن هذه التحركات تأتي في وقت تبدي فيه موسكو مرونة متزايدة للانفتاح على أي صيغة تضمن بقاءها، حتى لو تطلب الأمر إعادة تعريف مهام هذا الوجود من الإطار العسكري البحت إلى مسارات لوجستية واقتصادية جديدة تلائم المتغيرات الميدانية والسياسية الحاصلة في البلاد.

بوادر الانفتاح الروسي والتحركات الميدانية

جاءت تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، لتؤكد أن التعاون بين موسكو ودمشق يتطور بنشاط؛ حيث أوضحت في إجابتها على تساؤلات حول خطط إنشاء مركز للإمداد والتموين في طرطوس لتوزيع السلع الروسية المستوردة في أنحاء سوريا، أن مسألة الوجود العسكري تخضع للنقاش الفعلي بما يشمل سياق إعادة هيكلة الأدوار.

وتتزامن هذه التصريحات الدبلوماسية مع تحركات ميدانية كشفت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلاً عن مسؤولين أميركيين، والتي أفادت بوصول معدات روسية إلى قاعدة حميميم عبر سفينة الشحن “سبارتا” التي انطلقت من ميناء سانت بطرسبرغ في آذار/مارس الماضي وحطت في ميناء طرطوس في أيار/مايو، لتسجل بذلك أول مهمة إعادة إمداد من نوعها منذ التحول السياسي الكبير في سوريا.

من العمليات القتالية إلى البُعد الإنساني واللوجستي

تتجه التوقعات نحو تجريد القواعد الروسية من صبغتها العسكرية الهجومية المطلقة التي اتسمت بها إبان عهد النظام السابق لدعمه وحماية مصالح موسكو.

وينقل موقع “المدن” عن الخبير في الشؤون الروسية، نصر اليوسف، أن المباحثات الدائرة بين الطرفين كشفت عن توجه جاد لإعادة النظر في مهام قاعدتي حميميم وطرطوس، مرجحاً أن تتحول مهمتهما إلى الطابع الإنساني مثل استقبال المساعدات الروسية، أو تحويلهما إلى محطات عبور لوجستية وقواعد إمداد.

ويستبعد اليوسف أن تُستغل هذه المنشآت لأي أغراض عسكرية مستقبلاً، لا سيما في ظل الصراع المحتدم بين روسيا والمنظومة الغربية، وتعاظم تأثير الموقف الأميركي في الملف السوري؛ حيث وافقت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي على تعديل تشريعي قدمه النائب الجمهوري جو ويلسون يطالب وزارة الدفاع (البنتاغون) بإعداد تقرير يبحث خطط تقليص النفوذ الروسي أو تأمين انسحاب قواتها بالكامل من طرطوس وحميميم.

تفاهمات خلف الكواليس وأدوار اقتصادية محتملة

تؤشر المعطيات الحالية على أن المفاوضات السورية الروسية قد بلغت مراحل متقدمة خلف الكواليس لتحديد حجم القوات التي ستحتفظ بها موسكو وطبيعة مهامها الموكلة إليها. وفي هذا الصدد، يوضح الباحث والخبير العسكري، رشيد حوراني، أن القواعد الروسية باتت تخضع لمعادلة تحقيق المصلحة الوطنية السورية أولاً، ولن تستعيد دورها العسكري السابق، خاصة مع إعادة النظر في الاتفاقيات الناظمة والتوجه نحو عدم الاعتماد على روسيا كمصدر رئيسي لتسليح الجيش السوري.

ويضيف حوراني أن المهام الجديدة لروسيا في الساحل ستقتصر على تقديم خدمات لوجستية تدعم قواعدها في شمال أفريقيا دون أي دور قتالي، وهو تنازل تقبل به موسكو لضمان الحفاظ على موطئ قدم لها في المنطقة، لافتاً إلى أن إعادة الهيكلة ستشمل الكادر البشري وحجم التسليح، مع عدم استبعاد تحويل قاعدتي حميميم وطرطوس إلى مراكز ذات أدوار اقتصادية وتجارية لخدمة التبادل التجاري المستمر بين دمشق وموسكو.

 

اقرأ أيضاً:روسيا تعيد ترتيب أوراقها في سوريا.. قواعد عسكرية ثابتة ونفوذ اقتصادي يتجدد

اقرأ أيضاً:الكونغرس يعيد فتح ملف سوريا من بوابة الموازنة: دعم مشروط و”المقاتلون الأجانب” في قلب الحسابات الأميركية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.