تسوية التزام خريجي التمريض في سوريا.. حق مهني قد يوسّع فجوة المستشفيات الحكومية

أعادت الحكومة السورية الانتقالية عبر وزارة الصحة العمل بإجراءات تسوية الالتزام المالي لخريجي التمريض والقبالة التابعة لها، بعد توقف تنفيذ التعليمات المرتبطة بالقرار خلال الفترة الماضية.

ويتيح الإجراء للخريج الذي لم يستكمل مدة الخدمة الملزمة، والمحددة بضعفي سنوات الدراسة، الحصول على شهادته بعد دفع البدل المالي وفق الأحكام الناظمة. لكن ما يبدو حلاً إدارياً لمشكلة شهادات معلقة يفتح في المقابل سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا تخسر المستشفيات العامة إذا اختار جزء من الخريجين دفع البدل بدلاً من الخدمة؟

السؤال ليس افتراضياً في قطاع تقول الوزارة نفسها إنه يعاني نقصاً في الكوادر التمريضية، فيما تواجه المستشفيات العامة ضغوطاً متراكمة تجعل كل ممرض جديد إضافة مطلوبة، لا مجرد رقم في ملاك وظيفي.

شهادة معلقة وقطاع يحتاج إلى أصحابه

يوضح مدير مديرية المهن الصحية في وزارة الصحة، الدكتور دوريد رحمون، لـ«الثورة السورية»، أن تسوية الالتزام ليست قراراً جديداً، بل إجراء قائم ضمن الأنظمة الناظمة لمدارس التمريض منذ إنشائها.

وبموجب النظام، يلتزم الخريج بالخدمة مدة تعادل ضعفي سنوات دراسته، ويمكنه بدلاً من ذلك دفع البدل المالي للحصول على شهادته، سواء لأسباب تتعلق بالسفر أو العمل في القطاع الخاص أو غيرها.

وتقول الوزارة إن تعليق تنفيذ التعليمات خلال الفترة الماضية جاء لإعادة دراسة فجوة التمريض قبل إعادة تفعيلها، لكن النتيجة أبقت المعادلة الأساسية على حالها: الخريج يملك حقاً قانونياً في تسوية التزامه، والمستشفى يحتاج إلى بقائه.

وهنا تكمن المشكلة؛ فالقانون قد يمنح الخريج مخرجاً فردياً، لكنه لا يقدم بالضرورة للمؤسسة الصحية بديلاً عن الكادر الذي قد يغادرها.

المستشفيات تدفع ثمن نقص الكوادر

تخشى كوادر تمريضية تحدثت إلى «الثورة السورية» من أن يؤدي دفع البدل المالي إلى زيادة عدد الخريجين الذين يختارون القطاع الخاص أو السفر، خصوصاً في ظل ضعف الحوافز وظروف العمل داخل المستشفيات العامة.

وترى الممرضة فايزة الجاسم أن خروج الخريجين الجدد سيزيد الضغط على الممرضين الموجودين، ولا سيما أصحاب الخبرة الذين أمضى بعضهم أكثر من عشرين عاماً في الخدمة.

ويشير الممرض حسين موسى إلى ضرورة دراسة أعداد الخريجين وحاجة المستشفيات قبل التعامل مع الملف، بينما ترى الممرضة فاديا محمد أن التعاقد مع الخريجين وفق شروط واضحة قد يكون أحد الحلول التي تحفظ حقهم وتضمن في الوقت نفسه حاجة القطاع العام إلى خدماتهم.

أما رئيس تمريض الإسعاف في مستشفى المجتهد، أحمد صهيون، فيطرح معالجة مختلفة تقوم على منح الخريج شهادته وتنظيم عقد عمل يلزمه بالخدمة، بحيث يخضع من لا يلتزم لشروط واضحة بدلاً من إبقاء الشهادة رهينة الالتزام.

الجيل الجديد أمام خيارين

تضع رئيسة التمريض العام في مستشفى المجتهد، مها صيبعة، المشكلة في إطار أوسع. فالمستشفى الحكومي لا يحتاج فقط إلى عدد أكبر من الممرضين، بل إلى استمرار دورة الخبرة.

فالكوادر الشابة تتعلم في المستشفيات العامة التعامل مع الحالات الحرجة والطوارئ والعمليات، قبل أن تصبح لاحقاً جزءاً من القوة المهنية التي تحمل هذه المؤسسات.

وبالتالي، فإن خروج الخريجين الجدد لا يعني بالضرورة نقصاً فورياً في عدد العاملين فقط، بل قد يخلق فجوة مؤجلة تظهر عندما يتقاعد أصحاب الخبرة الحاليون من دون أن يكون هناك جيل كافٍ جاهز للحلول مكانهم.

وهذه واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في القطاع الصحي: خسارة الكادر لا تظهر كلها في يوم واحد، لكنها تتراكم بصمت حتى تصبح مشكلة تشغيلية يصعب احتواؤها.

الوزارة تراهن على التخصص والتعاقد

تقر وزارة الصحة بوجود فجوة في التمريض، لكنها تربطها أيضاً بعوامل تراكمية، بينها قلة أعداد الخريجين سابقاً، والهجرة، وضعف تنظيم المهنة وتوصيفها.

ويقول رحمون إن الوزارة تعمل على فتح شعب تمريضية جديدة في المحافظات، وتطوير تخصصات نوعية تشمل العناية المشددة وعناية حديثي الولادة والكلية والقلب الصناعي، إلى جانب التوجه للتعاقد مع خريجي كليات التمريض وتحسين الرواتب والحوافز والتدريب.

لكن معظم هذه الحلول تحتاج إلى وقت وموارد. فخريج مدرسة التمريض يحتاج إلى سنوات قبل دخوله سوق العمل، بينما تحتاج المستشفيات إلى الكادر الآن.

وهنا تظهر الفجوة بين ما تتيحه القرارات على الورق وما تحتاجه المستشفيات على الأرض. فإعادة تنظيم المهنة والتخصص والتعاقد ورفع الرواتب قد تكون خطوات ضرورية، لكنها لا تلغي السؤال عن الفترة الانتقالية التي ستدفع خلالها الكوادر الحالية ثمن النقص.

حق الخريج لا ينبغي أن يتحول إلى خسارة عامة

لا يبدو أن المشكلة تكمن في منح الخريج حق تسوية التزامه، بقدر ما تكمن في أن هذا الحق يأتي في قطاع لم تُحل أزمته الأساسية بعد.

فالخريج الذي يرى في دفع البدل فرصة للسفر أو تحسين دخله لا يمكن تحميله وحده مسؤولية نقص الكوادر. وفي المقابل، لا تستطيع المستشفيات العامة أن تتعامل مع خروج الخريجين وكأنه تفصيل إداري.

المعضلة الحقيقية أن الحكومة السورية الانتقالية مطالبة بإدارة التوازن بين الحق الفردي والحاجة العامة؛ وإذا بقيت بيئة العمل والرواتب والحوافز والمسار المهني أقل جاذبية من البدائل المتاحة، فقد يتحول حق تسوية الالتزام من أداة لتنظيم أوضاع الخريجين إلى عامل إضافي في استنزاف المستشفيات العامة.

وفي قطاع لا يمكن تشغيله بالخطط وحدها، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الحكومة على جعل البقاء في المستشفى خياراً مهنياً قابلاً للحياة، لا خدمة يؤديها الخريج فقط لأنه لم يستطع الحصول على شهادته.

اقرأ ايضاً: أزمة الأطباء المقيمين في سوريا: 15 شهراً بلا رواتب ولا عقود

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.