صنداي تايمز: التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا تُغذي المقاومة الشعبية

نشرت صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية تقريراً ميدانياً لمراسلتها في دمشق، فرنشيسكا إيبل، سلطت فيه الضوء على تداعيات التصعيد والتوغلات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري.

وقالت الصحيفة إن استمرار التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية يعمل على زعزعة الاستقرار الذي يعيشه السوريون ويدفع سكان القرى للرد على التوغلات باستخدام الحجارة، في ظل حكومة ترغب بتجنب التصعيد مع “إسرائيل”.

مواجهات عابدين وبيت جن: مقاومة بالمسيرات والحجارة

أفاد التقرير بأن بلدات وقرى الجنوب السوري تشهد حالة متصاعدة من الرفض الشعبي للتحركات الإسرائيلية، تجسدت في مواجهات ميدانية مباشر:

  • حادثة بلدة عابدين حزيران/ يونيو 2026: حاول السكان المحليون، بمن فيهم عشرات الأطفال والشباب، إعاقة تقدم الآليات الإسرائيلية المصفحة عبر قطع الطرق بالصخور ورشق المصفحات بالحجارة. وتطور المشهد إلى إطلاق نار تحذيري وقصف بالمسيرات والمروحيات على أطراف القرية، مما أدى لفرار مئات العائلات ونزوح نصف السكان نحو القرى المجاورة.

ونقلت الصحيفة عن جمال الإبراهيم، رئيس مجلس بلدة عابدين، أن نصف سكان القرية فروا بسبب حالة الذعر التي أعقبت الحادثة وحاولوا العثور على ملجأ في القرى المجاورة. ورغم أن الحادثة أثارت إدانة دولية، إلا أن رد فعل الحكومة السورية كان محدودا.

  • مجرزة بيت جن تشرين الثاني/ نوفمبر 2025: شهدت بلدة بيت جن جنوب غربي سوريا مواجهة مماثلة عقب مداهمة إسرائيلية، حيث حاصر أهالي القرية سيارة همر عسكرية، ليرد جيش الاحتلال الإسرائيلي بقصف جوي ومدفعي أسفر عن استشهاد 13 شخصاً، بينهم أطفال من عائلة واحدة، ما قوبل ببيانات إدانة رسمية من وزارة الخارجية السورية واصفة الهجوم بـ “جريمة الحرب”.

وقال قاسم حمادة، البالغ من العمر 85 عاما إن خمسة من  أفراد عائلته قتلوا في الهجوم  من بينهم ابنيه محمد وعبد الرحمن وزوجة ابنه وحفيديه الصغيرين ودمر منزل العائلة بالكامل.

ووصف حمادة ما حدث للصحيفة قائلا: “قتلوا وهم نائمون، ما زلت مصدوما، لقد فقدت حياتي كلها”. وانتقل منذ ذلك الحين إلى سكن مؤقت على بعد 20 ميلا شمال شرق بيت جن في أرتوز، حيث يعيش مع حفيديه اليتيمين. ولم تكن هذه المرة الأولى في التاريخ التي تهاجم فيها إسرائيل القرية.

ففي عام 1973، احتلت إسرائيل بيت جن لعدة أشهر. وعلى الرغم من هدوء الوضع في القرية، إلا أن العداء تجاه إسرائيل يتزايد. فقد واصل الجيش الإسرائيلي إغلاق الطرق المؤدية إلى القرية والخارجة منها، وشن المزيد من المداهمات والاعتقالات، وأقام نقاط تفتيش في المنطقة المحيطة.

وقال حمادة: “من المرجح أن يثور الناس قريبا ضد القوات الإسرائيلية. منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري، وأنا أعرف أساليبهم، فلن يتوقفوا عند أي شيء، لا حدود لهم ولا يلتزمون بأي مبادئ. إنهم يقتحمون القرى من كل الجهات”.

استراتيجية السيطرة الميدانية وأثرها على مفاوضات السلام

أوضحت “صنداي تايمز” نقلاً عن حايد حايد، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز “تشاتام هاوس”، أن هذه التوغلات تُمثل نمطاً مستمراً لفرض واقع ميداني جديد: “يختبر الإسرائيليون حدود سيطرتهم ويقيمون نقاط مراقبة وتفتيش جديدة لتوسيع نفوذهم على الأرض، وهو ما يجعل السكان المحليين يشعرون باستحالة التعايش مع هذا الوضع ويدفعهم للمقاومة.”

وأشار التقرير إلى أن “إسرائيل” تسعى لاستغلال سيطرتها الميدانية لتعزيز موقفها التفاوضي في المحادثات الأمنية الجارية، حيث يمنحها التوسع الجغرافي ونشر البؤر الاستيطانية أوراق ضغط أكبر على طاولة المفاوضات.

موقف الحكومة السورية وخيارات المناورة المحدودة

تجد السلطة السورية في دمشق نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الضغوط الداخلية والقيود الميدانية:

  • تقليص القدرات العسكرية: أشار التقرير إلى أن الضربات الجوية المكثفة التي تلت تغير النظام في ديسمبر 2024 أدّت إلى تدمير جزء كبير من القدرات التسليحية، ما يُضعف خيارات الرد العسكري المباشر.

  • الخيارات الدبلوماسية: ترتكز استراتيجية دمشق على استمرار المحادثات الأمنية للتوصل إلى اتفاق يضمن استعادة السيطرة السيادية، مع الاستفادة من قنوات التواصل المفتوحة مع واشنطن لتهدئة الأوضاع ومنع انجرار البلاد إلى مواجهة واسعة.

  • تصريحات الوجود الدائم: في المقابل، يكرر المسؤولون الإسرائيليون تصريحاتهم بشأن البقاء العسكري في الجنوب السوري، وتبرير العمليات تحت شعار “مكافحة الإرهاب” وحماية الممرات الحدودية.

الخلاصة

يؤكد تقرير “صنداي تايمز” أن استمرار التوغلات العسكرية الإسرائيلية يضع الاستقرار المحلي في الجنوب السوري أمام اختبار حقيقي، حيث يتزايد الاحتقان الشعبي والمقاومة المحلية على الأرض في وقت تسعى فيه دمشق للتمسك بمسار التفاوض الدبلوماسي لحماية سيادتها الإقليمية.

إقرأ أيضاً: التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة: تهاوي اتفاق 1974 وأزمة السيادة في الجنوب السوري

إقرأ أيضاً:استيطان رعوي جنوب سوريا: الاحتلال يستنسخ نموذج الضفة الغربية

إقرأ أيضاً:إسرائيل ترسم حدودها في جنوب سوريا.. حكومة دمشق الانتقالية عاجزة والمفاوضات تتآكل تحت وقع التوغلات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.