العفو الدولية تنتقد حكم إعدام بشار الأسد وتدعو لإصلاح القضاء السوري
أثار حكم محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بإعدام رئيس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من المسؤولين السابقين، نقاشًا يتجاوز أسماء المحكومين والعقوبة الصادرة بحقهم، ليصل إلى طبيعة العدالة التي تسعى سوريا إلى بنائها بعد سنوات طويلة من الانتهاكات، وما إذا كانت المحاسبة ستؤسس لمسار قضائي مستقر أم ستبقى أسيرة منطق العقوبة وحده.
وأصدرت المحكمة، الثلاثاء 11 آب، حكم الإعدام بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، حضوريًا، وبحق الأسد وشقيقه، وفهد الفريج، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق ناصر، وطلال العيسمي، غيابيًا.
ووفق القرار، وُجهت إلى المحكومين اتهامات تتعلق بالقتل العمد والتحريض على القتل والتعذيب المفضي إلى الموت، بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أبقت المحكمة مذكرات التوقيف نافذة بحق المتهمين، وقررت الحجز الاحتياطي على أموالهم، مع حفظ حقوق المتضررين وذوي الضحايا والمفقودين.
بين المحاسبة وشكل العقوبة
لا خلاف على أن محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة تمثل أحد الملفات المركزية أمام سوريا الجديدة، خصوصًا بالنسبة إلى عائلات الضحايا والمفقودين الذين ينتظرون منذ سنوات معرفة مصير ذويهم والحصول على اعتراف قضائي بما تعرضوا له.
لكن منظمة العفو الدولية رأت أن الوصول إلى هذه الغاية يحتاج إلى مسار قضائي يراعي بصورة كاملة ضمانات المحاكمة العادلة والقانون الدولي، وانتقدت استخدام عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية.
ودعت المنظمة الحكومة السورية الانتقالية إلى إلغاء المحاكمات الغيابية وإيقاف استخدام عقوبة الإعدام، إلى جانب إجراء إصلاح قضائي شامل يضمن استقلال الإجراءات القضائية ومشاركة الضحايا فيها.
وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة في مرحلة انتقالية تحاول فيها المؤسسات السورية إعادة بناء منظومة العدالة بعد عقود من تداخل السلطة والأجهزة الأمنية والقضاء. فالمحاسبة لا تتعلق فقط بإصدار أحكام قاسية، بل كذلك بكيفية إثبات المسؤولية، وحقوق المتهمين، ومشاركة الضحايا، وإتاحة سبل الطعن، وضمان ألا تتحول العدالة إلى أداة مرتبطة بالمرحلة السياسية.
العدالة الانتقالية أمام اختبارها الأصعب
ترى «العفو الدولية» أن ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية أوسع تتمحور حول الضحايا، وتشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والمحاسبة.
وتطرح المحاكمات الغيابية بدورها سؤالًا قانونيًا وسياسيًا معقدًا، خصوصًا في حالة أشخاص خارج البلاد، إذ إن صدور الحكم لا يعني بالضرورة إمكانية تنفيذه. ويبرز ذلك بوضوح في حالة بشار الأسد وشقيقه، المقيمين في روسيا، حيث تبدو إمكانية تسليمهما إلى الحكومة السورية الانتقالية مرتبطة بعوامل قانونية وسياسية معقدة.
وتشير تجارب دولية إلى أن بعض الدول ترفض تسليم مطلوبين إذا كانوا معرضين لعقوبة الإعدام، أو تشترط الحصول على ضمانات بعدم تنفيذها، ما قد يجعل طبيعة الأحكام الصادرة عاملًا مؤثرًا في أي مسار لاحق لاسترداد المتهمين.
اختبار للمؤسسات لا للمتهمين فقط
يضع الحكم الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار يتجاوز ملف الأشخاص المحكوم عليهم، ليطال قدرتها على تأسيس قضاء يحظى بالثقة، ويوازن بين حق الضحايا في العدالة وحقوق المتهمين في محاكمة مستوفية للضمانات.
فالعدالة في مرحلة ما بعد النظام السابق لا تُقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة أو شدة العقوبات، وإنما بقدرتها على كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا، وترسيخ قواعد قضائية لا تتغير بتغير موازين السلطة.
وبينما لقي الحكم تأييدًا من بعض السوريين وظهرت دعوات للاحتفال به في عدد من المدن، لا يمكن اختزال الموقف السوري في اتجاه واحد. فالضحايا وعائلاتهم قد يتفقون على ضرورة المحاسبة، لكن طرق تحقيقها ومآلاتها تبقى موضع نقاش قانوني وحقوقي وسياسي واسع.
وفي النهاية، قد يكون التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية الانتقالية ليس فقط ماذا ستفعل بالمتهمين بجرائم الماضي، بل أي منظومة قضائية ستتركها لسوريا في المستقبل: منظومة تُنتج أحكامًا بوصفها نهاية للملف، أم منظومة تجعل الحقيقة والمحاسبة والإنصاف قواعد ثابتة لا تتبدل بتبدل الحكومات.
اقرأ أيضاً: محكمة الجنايات بدمشق تصدر حكم الإعدام بحق بشار الأسد وعاطف نجيب و7 متهمين