جبل الزاوية بلا إسعاف على مدار الساعة.. المرضى يدفعون كلفة غياب الرعاية
تتسع قرى وبلدات جبل الزاوية في ريف إدلب، لكن خدماتها الصحية لا تتسع بالقدر نفسه. أكثر من 35 قرية وبلدة، وسكان يتجاوز عددهم بحسب تقديرات محلية 550 ألف نسمة، ما زالوا يفتقرون إلى مشفى أو مركز إسعافي مجهز يعمل على مدار الساعة، لتتحول المسافة إلى جزء من كلفة المرض، ويصبح الوصول إلى العلاج تحدياً قائماً بذاته.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بنقص الاختصاصات المتقدمة فقط، بل بغياب الحد الأدنى من الاستجابة الإسعافية القريبة. فالحالات الطارئة لا تنتظر تجهيز سيارة أو تأمين وسيلة نقل، بينما يجد سكان قرى تقع في عمق المنطقة أنفسهم مضطرين لقطع عشرات الكيلومترات باتجاه أريحا أو إدلب، في وقت تضيق فيه قدرة الأسر على تحمل نفقات النقل والعلاج.
قرى كثيرة.. وخدمة صحية محدودة
يقول أحمد الفارس، من سكان جبل الزاوية، إن المنطقة تضم عشرات القرى والبلدات، لكن الخدمات الطبية المتوفرة لا تتناسب مع امتدادها الجغرافي وعدد سكانها. ويوضح أن المرضى يضطرون إلى التوجه نحو أريحا أو معرة النعمان، فيما تتطلب بعض الفحوصات والاختصاصات الوصول إلى مدينة إدلب، خصوصاً مع غياب خدمات مثل التصوير الطبقي والرنين المغناطيسي في المراكز الأقرب.
وبحسب الفارس، تفتقر 33 قرية إلى خدمات طبية كافية، بينما قد يضطر سكان بعض القرى إلى قطع نحو 26 كيلومتراً للوصول إلى أريحا. وفي الحالات المعقدة تصبح الرحلة أطول، بما تحمله من أعباء مالية ومخاطر إضافية على المرضى، ولا سيما محدودي الدخل.
ويزداد الخلل وضوحاً في حالات الولادة والحوادث المفاجئة، إذ لا يكفي وجود مركز صحي يعمل لساعات محدودة عندما يكون الخطر مرتبطاً بالدقائق. ومع ذلك، لا تظهر في الواقع خدمة إسعافية دائمة تتناسب مع اتساع المنطقة واحتياجات سكانها.
الصيدليات أمام فراغ لا تستطيع ملأه
يقول الصيدلاني أحمد عبد الكريم العيسى، من كفر عويد، إن الصيدليات تواجه يومياً طلبات تتجاوز وظيفتها الدوائية، من إعطاء الحقن وتركيب السيرومات إلى التعامل الأولي مع إصابات وحالات طارئة مختلفة.
ويشير إلى أن السكان يواجهون لدغات الأفاعي والعقارب، والنزوف والكسور والحروق وإصابات العمل وحوادث السير والاختناق والتسمم، إضافة إلى إصابات العين ودخول أجسام غريبة إلى الأنف أو الأذن. وفي بعض الحالات قد تصل المسافة إلى نحو 50 كيلومتراً للوصول إلى مركز طبي قادر على تقديم الرعاية المطلوبة.
وهنا يتحول غياب المركز الإسعافي من نقص في الخدمة إلى خطر صحي مباشر. فالنزف أو الاختناق أو لدغة أفعى لا يمنح المريض وقتاً إضافياً لأن أقرب مشفى بعيد.
مطلب بسيط أمام فجوة كبيرة
يطالب العيسى بإنشاء مركز إسعافي مجهز يعمل على مدار الساعة، مع كوادر طبية وتمريضية وأدوية ومستلزمات أساسية، إلى جانب سيارة إسعاف قادرة على نقل الحالات التي تحتاج إلى مشافٍ تخصصية.
ورغم أن هذا المطلب يبدو في حده الأدنى بالنسبة إلى منطقة بهذا الحجم، فإن استمرار غيابه يكشف فجوة بين ما يفترض أن تكون عليه الخدمات العامة وبين ما يصل فعلياً إلى السكان. فالحكومة الانتقالية لا تواجه هنا ملفاً طبياً معقداً بقدر ما تواجه سؤالاً أساسياً حول قدرتها على تأمين خدمة صحية أولية لمنطقة خرجت من سنوات الحرب وهي تحمل أعباء النزوح والعودة وتراجع البنية التحتية.
وتزيد طبيعة جبل الزاوية الريفية من أهمية المسألة؛ فالمنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة، وتنتشر فيها تجمعات سكانية متباعدة، ما يجعل وجود نقطة إسعاف قريبة ضرورة عملية لا خدمة تكميلية.
وبعد سنوات من الحرب، تبدو عودة السكان إلى قراهم أسرع من عودة الخدمات إليها. وبينما تستعيد الحقول نشاطها وتعود العائلات إلى منازلها، تبقى الرعاية الصحية معلقة على طريق طويل نحو أريحا أو إدلب. وفي الحالات الطارئة، قد يكون هذا الطريق هو الفارق بين الوصول إلى العلاج والوصول متأخراً.
اقرأ ايضاً: سنجار بلا مشفى.. عشرات القرى تدفع كلفة غياب الرعاية الصحية