موسم وفير وعائد متآكل.. تراجع الليرة يهدد أرباح مزارعي القمح في الحسكة

بينما تستعد محافظة الحسكة لتسجيل أحد أكبر مواسم القمح خلال السنوات الأخيرة، يجد آلاف المزارعين أنفسهم أمام معادلة قاسية؛ إنتاج وفير تبشر به الحقول، وعائد مالي يتآكل مع كل تراجع جديد في سعر صرف الليرة السورية.

فالموسم الذي استفاد من أمطار استثنائية رفعت تقديرات الإنتاج في منطقة الجزيرة إلى أكثر من 1.2 مليون طن، تحول من قصة نجاح زراعية إلى مصدر قلق اقتصادي، مع انخفاض القيمة الفعلية لسعر القمح الحكومي وتزايد المخاوف من تأخر صرف المستحقات المالية.

الليرة تلتهم مكاسب الموسم

حددت الحكومة السورية سعر شراء طن القمح بـ55 ألف ليرة سورية جديدة بعد إضافة مكافأة تشجيعية، وهو سعر اعتُبر مقبولاً عند إقراره، إذ كانت قيمته تعادل نحو 385 دولاراً للطن.

لكن تراجع الليرة أمام الدولار خلال الأسابيع الأخيرة خفّض القيمة الفعلية للسعر إلى نحو 370 دولاراً، وسط مخاوف من استمرار التراجع خلال الفترة الفاصلة بين تسليم المحصول وصرف الفواتير.

وتزداد حساسية هذا التراجع بالنسبة للمزارعين لأن معظم مدخلات الإنتاج الزراعي، من المحروقات والأسمدة والبذار إلى أجور الحصاد والنقل، باتت مرتبطة بشكل مباشر بأسعار الدولار.

بين التوريد للحكومة والبيع للتجار

في أرياف الحسكة، لا يدور النقاش حول حجم الإنتاج بقدر ما يدور حول كيفية تحويله إلى سيولة نقدية تحافظ على قيمته.

ويواجه كثير من الفلاحين خيارين صعبين؛ إما تسليم المحصول لمراكز الحبوب الحكومية وانتظار صرف المستحقات في ظل تقلبات سعر الصرف، أو بيعه للتجار بأسعار أقل من السعر الرسمي مقابل الحصول على الأموال بشكل فوري.

ومع بدء عمليات التسويق، برزت عروض من بعض التجار لشراء القمح بأسعار تدور حول 250 دولاراً للطن، مستفيدين من حاجة بعض المنتجين إلى السيولة العاجلة لسداد الديون والالتزامات المتراكمة عليهم بعد موسم زراعي طويل.

مخاطر تطال جميع الأطراف

ورغم اتهامات بعض المزارعين للتجار بتحقيق أرباح كبيرة على حساب المنتجين، يرى عاملون في تجارة الحبوب أن الصورة أكثر تعقيداً. فالتاجر الذي يشتري بالدولار أو وفق سعر السوق يواجه بدوره مخاطر مرتبطة بتراجع قيمة الليرة خلال فترة انتظار تسديد الفواتير الحكومية، إضافة إلى تكاليف النقل والتخزين والعمالة.

ويؤكد مختصون اقتصاديون أن الأزمة الحقيقية تكمن في عدم استقرار سعر الصرف، الذي يحول دون قدرة جميع الأطراف على تقدير أرباحها وخسائرها بدقة، ويجعل الحلقة الأضعف في السوق، أي المزارع، الأكثر تضرراً.

إنتاج قياسي.. وقلق مستمر

في المقابل، أعلنت المؤسسة السورية للحبوب جاهزيتها لاستقبال محصول الموسم عبر 20 مركزاً في الحسكة، مع توقعات باستلام ما بين 800 ألف ومليون طن خلال الأشهر المقبلة، إضافة إلى اعتماد منصة إلكترونية لتنظيم عمليات التسليم وتخفيف الازدحام.

غير أن المزارعين يرون أن نجاح الموسم لا يُقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرتهم على تحصيل عائد مالي يحافظ على قيمة محصولهم وجهد عام كامل من العمل.

وبين وفرة القمح وتقلبات العملة، يبقى السؤال الأبرز في الحسكة: هل يتحول أحد أفضل المواسم الزراعية في السنوات الأخيرة إلى فرصة اقتصادية حقيقية للفلاحين، أم تبتلع أزمة سعر الصرف ثمار الحقول قبل وصولها إلى جيوب أصحابها؟

 

اقرأ أيضاً: سوريا توقف استيراد الفروج والصيصان.. حماية للإنتاج المحلي أم إعادة ضبط للسوق؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.