الليرة السورية تتراجع مجددًا.. فجوة الصرف تتسع والضغوط الاقتصادية تتفاقم

تواصل الليرة السورية فقدان جزء من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، في مشهد يعكس استمرار الاختلالات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوري، بعدما سجل سعر الصرف في السوق الموازية، الأربعاء 10 حزيران، نحو 14,500 ليرة للشراء و14,560 ليرة للمبيع، مقارنة بمستويات قاربت 14 ألف ليرة مطلع الشهر الجاري.

ويأتي هذا التراجع في وقت يحافظ فيه مصرف سوريا المركزي على سعره الرسمي عند 11,250 ليرة للشراء و11,350 ليرة للمبيع، ما يوسع الفجوة بين السعرين إلى أكثر من 25%، ويعزز حالة الازدواجية في سوق القطع الأجنبي.

لماذا تتراجع الليرة؟

يرى خبراء اقتصاديون أن انخفاض قيمة الليرة ليس نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تراكمات اقتصادية ونقدية متشابكة. ويبرز في مقدمة هذه العوامل استمرار الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، الأمر الذي يدفع جزءًا كبيرًا من التعاملات النقدية إلى خارج القنوات المصرفية الرسمية.

كما يسهم ارتفاع الطلب على الدولار لتمويل الواردات في زيادة الضغط على سوق الصرف، خاصة مع محدودية الإيرادات بالقطع الأجنبي الناتجة عن ضعف الصادرات وتراجع النشاط الإنتاجي المحلي، ما يفاقم اختلال التوازن بين العرض والطلب على العملات الأجنبية.

ويضاف إلى ذلك استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، الأمر الذي يدفع الشركات والتجار والأفراد إلى البحث عن الدولار باعتباره ملاذًا لحفظ القيمة في ظل بيئة اقتصادية متقلبة.

المضاربة والترقب يزيدان الضغوط

لا تقتصر الضغوط على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل تمتد إلى العامل النفسي الذي يلعب دورًا متزايدًا في أسواق الصرف الهشة. فمع اقتراب انتهاء عملية استبدال العملة نهاية تموز المقبل، تتزايد حالة الترقب والمضاربة، بينما يواصل المتعاملون تفضيل الاحتفاظ بالدولار وسط غياب رؤية نقدية واضحة قادرة على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الفعلية.

ويؤكد اقتصاديون أن تعدد أسعار الصرف يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والتجار، ويضعف الثقة بالعملة المحلية، ما ينعكس مباشرة على الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

تداعيات على الأسعار والمعيشة

تراجع الليرة ينعكس بصورة مباشرة على الأسواق المحلية، إذ يؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى زيادة تكاليف الاستيراد وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يفاقم الضغوط المعيشية على الأسر السورية ويقلص قدرتها الشرائية.

ويرى مختصون أن بلوغ الدولار مستويات تتجاوز 14,500 ليرة يعكس مشكلات أعمق تتعلق بضعف الإنتاج المحلي، وتراجع الصادرات، ومحدودية الاستثمار، والاعتماد المتزايد على الاستيراد والحوالات الخارجية كمصادر رئيسية للنقد الأجنبي.

ما الذي تحتاجه الليرة للاستقرار؟

يؤكد خبراء أن استقرار سعر الصرف على المدى الطويل لا يمكن أن يتحقق عبر التدخلات النقدية قصيرة الأجل فقط، بل يتطلب زيادة موارد القطع الأجنبي، وتحفيز الإنتاج المحلي، وإعادة تشغيل القطاعات الصناعية والزراعية، إلى جانب تطوير البنية التحتية الاقتصادية وتقليص فاتورة الاستيراد.

وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية والإقليمية، يبقى مستقبل الليرة السورية مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على توليد موارد حقيقية ومستدامة للنقد الأجنبي، بما يعيد التوازن إلى سوق الصرف ويحد من موجات التراجع المتكررة.

 

اقرأ أيضاً: بين الاستثمار والاصطفافات: سوريا وتركيا ترسمان خرائط اقتصاد ما بعد القطيعة
حساباتنا: 
فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.