بين الاستثمار والاصطفافات: سوريا وتركيا ترسمان خرائط اقتصاد ما بعد القطيعة
في مشهد يبدو أقرب إلى إعادة ترتيب بطيئة للخرائط السياسية عبر الاقتصاد، حملت قمة “الأناضول” في غازي عينتاب رسائل تتجاوز لغة الاستثمار التقليدية، لتضع سوريا وتركيا أمام اختبار علاقة جديدة تُبنى على المصالح أكثر مما تُبنى على الوعود، وعلى الضرورات أكثر مما تُبنى على الثقة.
خطاب استثماري بنبرة إعادة تعريف الدولة
دعا وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، المستثمرين الأتراك إلى الدخول في شراكات طويلة الأمد داخل سوريا، قائمة على نقل الخبرات وبناء مشاريع إنتاجية، بدل الاكتفاء باستثمارات سريعة الربح. وخلال القمة التي عقدت في ولاية غازي عينتاب بحضور رسمي من الجانبين السوري والتركي، قدّم الشعار تصوراً لسوريا “الجديدة” بوصفها بلداً منفتحاً على الاستثمار، ومشحوناً بفرص وصفها بالاستثنائية، رغم هشاشة الواقع الاقتصادي والبنيوي الذي ما يزال يثقل البلاد. وأكد الوزير أن الرهان السوري الحالي يتجه نحو “الشراكة” أكثر من “الربح”، في محاولة لتقديم نموذج اقتصادي جديد يقوم على إعادة التموضع لا على التعافي السريع. نضال الشعار
اقتصاد على حافة الحاجة: شراكات تبحث عن أرض مستقرة
في خلفية الخطاب الرسمي، تبدو سوريا أقرب إلى اقتصاد يبحث عن إعادة تعريف نفسه تحت ضغط انهيار طويل البنية. الدعوات إلى الاستثمار لا تأتي في فراغ، بل في سياق بلد يعاني من هشاشة إنتاجية وبنية تحتية متآكلة وسوق غير مستقرة. الشعار وصف البلاد بأنها تمتلك كفاءات وطاقات شابة، لكنه في الوقت نفسه رسم صورة غير مباشرة لاقتصاد ما يزال غير قادر على تقديم ضمانات حقيقية طويلة الأمد، ما يجعل الشراكات المطروحة أقرب إلى رهانات مفتوحة منها إلى فرص محسومة.
أنقرة تعيد رسم الممرات: تجارة ومعابر وخطوط تاريخية
من الجانب التركي، بدا الخطاب أكثر ميلاً إلى تحويل الجغرافيا إلى شبكة مصالح ممتدة. وزير التجارة التركي أعلن اكتمال الاستعدادات لافتتاح معبر سككي جديد، إلى جانب العمل على معابر حدودية إضافية، في خطوة تعكس رغبة في إعادة دمج شمال سوريا في حركة التجارة الإقليمية. كما كشفت أنقرة عن خطط لرفع حجم التبادل التجاري مع سوريا من أكثر من ثلاثة مليارات دولار حالياً إلى عشرة مليارات خلال السنوات المقبلة، في مسار يبدو طموحاً على الورق، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي وأمني غير مستقر على الأرض. وفي سياق أكثر رمزية من الاقتصاد نفسه، طُرح مجدداً مشروع إحياء خط “الحجاز” الحديدي، كممر تاريخي يُراد له أن يتحول إلى شريان حديث يربط تركيا بالشرق العربي وصولاً إلى الخليج، في مشروع يحمل طابعاً سياسياً بقدر ما يحمل طابعاً لوجستياً. سكة حديد الحجاز
حضور سياسي مكثف فوق اقتصاد هش
القمة التي شهدت حضوراً رسمياً من حلب وغازي عينتاب، عكست مستوى جديداً من التقارب الإداري والاقتصادي بين الطرفين، لكنه تقارب ما يزال محاطاً بأسئلة أكبر من الإجابات: هل يمكن للاقتصاد أن يسبق الاستقرار؟ وهل تكفي الاستثمارات لإعادة إنتاج دولة منهكة؟ حتى المشاريع المعلنة، من فتح البنوك التركية داخل سوريا إلى توسيع المعابر، تبدو وكأنها تُبنى فوق أرض غير مكتملة التوازن، حيث السياسة لم تغادر بعد ظل الحرب، والاقتصاد لم يدخل بعد منطقة التعافي الحقيقي. غازي عينتاب
اقتصاد تحت الاختبار لا تحت الإنقاذ
ما بين تصريحات التفاؤل وخطط التوسع، تبدو العلاقة السورية–التركية وكأنها تدخل مرحلة “اقتصاد الاختبار”، لا اقتصاد الإنقاذ. اختبار لمدى قدرة الاستثمارات على العمل في بيئة غير مستقرة، واختبار لحدود السياسة حين تُترجم إلى أرقام تجارة وممرات حدودية. وفي الخلفية، يبقى السؤال الأعمق معلقاً: هل نحن أمام إعادة إعمار تدريجية، أم أمام إعادة توزيع نفوذ اقتصادي بصيغة جديدة، حيث تتحرك رؤوس الأموال أسرع من قدرة الدول على تثبيت استقرارها؟ الجواب، حتى الآن، ما يزال مؤجلاً في مستقبل لم يتشكل بعد.
اقرأ أيضاً: مؤتمر دمشق الاقتصادي.. بين وعود الإصلاح واختبار التنفيذ