أزمة العدالة الوظيفية.. لماذا تتفاوت أجور موظفي الدولة في سوريا رغم توحيد المؤسسات؟

تشهد أروقة القطاع العام في سوريا حالة من الجدل الواسع إثر بروز تفاوت ملحوظ في أجور العاملين بمؤسسات الدولة ومؤسساتها الموحدة مؤخراً

ويأتي هذا التباين كتركة ثقيلة خلفتها المرحلة السابقة لسقوط النظام الأسد نتيجة اختلاف الجهات التي كانت تشرف على إدارة القطاعات العامة وتباين سلالم الرواتب وآليات صرفها

ورغم إقرار الحكومة لعدة زيادات مالية خلال الأشهر الماضية تلبية للمتطلبات المعيشية إلا أن الفجوة الهيكلية في الدخل ما زالت قائمة بين الموظفين الذين يتقاضون جميعاً رواتبهم من وزارة المالية

جذور الفجوة وامتدادها التاريخي

لا تعتد هذه الفوارق وليدة اللحظة بل تمتد جذورها إلى ما قبل سقوط النظام حيث كانت مناطق شمال غرب سوريا الخاضعة للمعارضة تمنح عامليها في المؤسسات المدنية والإدارات المحلية رواتب تفوق نظراءهم في مؤسسات النظام السابق بسبب تنوع مصادر التمويل وسياسات الأجور والدعم

ومع دمج وإعادة توحيد الإدارات الحكومية انتقلت تلك الفجوات الموروثة تلقائياً إلى داخل الهيكل الوظيفي الجديد ليجد موظفون يحملون المؤهلات والخبرات ذاتها أنفسهم أمام فوارق دخل شاسعة بناءً على جهة تعيينهم السابقة أو التوقيت الذي التحقوا فيه بالخدمة

وتتجلى هذه المفارقة في شهادة نقلتها منصة ”963+“ عن محمد الدخيل الموظف في مديرية السجل العقاري بمحافظة دير الزور والذي يتقاضى نحو مليون ومئتي ألف ليرة سورية في وقت يحصل فيه موظفون جدد على ضعف راتبه تقريباً وهو ما ينعكس سلباً على الحالة النفسية والمعنوية لأصحاب الخبرات الذين باتوا يشعرون بغياب التقدير المالي لسنوات خدمتهم وطبيعة عملهم وسط مطالبات متزايدة بإقرار سلم رواتب موحد يضمن العدالة الوظيفية للجميع

عوامل تراكمية تكرس غياب التكافؤ

وفي قراءة تحليلية لأسباب الأزمة أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد البهواشي أن التفاوت الراهن يرجع إلى حزمة عوامل متراكمة أبرزها غياب الآلية المركزية الموحدة لإدارة الأجور والحوافز فضلاً عن التباين المالي بين المؤسسات العامة ذاتها حيث تمتلك القطاعات الإنتاجية والاقتصادية كشركات النفط والاتصالات والمرافئ قدرة تمويلية تتيح لها منح تعويضات ومكافآت إنتاجية ضخمة لا تتوفر لنظرائها في القطاعات الخدمية كالتعليم والصحة

وأضاف البهواشي أن دخول المنظمات الدولية والوكالات الأممية على خط دعم بعض القطاعات أسهم في تعميق هذه الفجوة نظراً للأجور المرتفعة التي تمنح للمستشارين والعاملين في المشاريع الممولة خارجياً مقارنة بالوظائف الحكومية التقليدية

مشيراً إلى أن لجوء الحكومات المتعاقبة إلى زيادة البدلات والتعويضات بدلاً من إصلاح أصل راتب السلم الأساسي أحدث تشوهات هيكلية كبيرة لا سيما أن تلك التعويضات تُحتسب بناءً على قيم رواتب قديمة لا تتماشى مع التضخم المتسارع

تداعيات اقتصادية واجتماعية وخارطة الحل

تلقي هذه التشوهات بظلال قاتمة على البنية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد إذ أدت إلى هجرة الكفاءات وأصحاب الخبرات من القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة نحو القطاع الخاص أو إلى خارج البلاد بحثاً عن سبل عيش أفضل

كما تسببت في تدني الإنتاجية وظهور البطالة المقنعة نتيجة غياب الحوافز المشجعة ودفع هذا الوضع المعيشي الصعب شريحة واسعة من الموظفين إلى البحث عن أعمال إضافية لتأمين متطلبات عائلاتهم مما أثر سلباً على مستوى الأداء الإداري وفتح الباب أمام مخاطر انتشار الفساد

ويؤكد البهواشي لـ ”963+“ أن تجاوز هذه الاختلالات العميقة يتطلب خطوات حاسمة تبدأ بإصدار قانون موحد للخدمة العامة وإعادة هيكلة شاملة لسلم الرواتب وفق معايير عادلة تأخذ بالاعتبار المؤهل العلمي وسنوات الخدمة مع ربط الأجور بمعدلات التضخم وتكاليف المعيشة الفعلية لحماية القوة الشرائية وتحقيق التوازن المفقود داخل مؤسسات الدولة المتكاملة

 

اقرأ أيضاً:تكلفة المعيشة في سوريا 2026: 7.7 ملايين ليرة حدّ البقاء و11 مليوناً للعيش بكرامة

اقرأ أيضاً:الاقتصاد السوري بين فوضى الأسواق وضغوط الليرة.. هل فقدت الحكومة أدوات ضبط المعيشة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.