جفت معاصر الزيتون يهدد مياه طرطوس.. تحذيرات رسمية وحلول مؤجلة

في طرطوس، لا يبدأ خطر “الجفت” مع انطلاق موسم عصر الزيتون، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ حين تعرف الجهات المعنية أين يمكن أن تذهب المخلفات وكيف يمكن أن تصل إلى مصادر المياه، ثم تكتفي عاماً بعد آخر بالتحذير والمراسلات واللجان. ومع اقتراب موسم جديد، تعود المخاوف من تكرار سيناريو تلوث الآبار والينابيع، في وقت لم يتحول فيه الملف إلى حل بيئي دائم.

وتضم المحافظة 248 معصرة عاملة، تتركز 86 منها في منطقة صافيتا، ما يجعل حجم المخلفات الناتجة عن الموسم تحدياً لا يمكن التعامل معه كحادث محدود أو مخالفة فردية. فالتخلص العشوائي من “الجفت” في مجاري الصرف الصحي أو الأنهار والوديان قد يحول مخلفات زراعية إلى مصدر مباشر لتهديد المياه التي يعتمد عليها السكان للشرب والري.

مياه الشرب في دائرة الخطر

مدير الموارد المائية في طرطوس، محمد محرز، يوضح أن تسرب مياه “الجفت” يرفع الحمل العضوي في مصادر المياه، فيما يمكن أن يقفز مؤشر الأكسجين المستهلك كيميائياً “COD” إلى مستويات هائلة؛ إذ تصل قيمته في “الجفت” الصرف إلى نحو 76 ألفاً، مقابل حد مسموح به لمياه الشرب يبلغ 3 أجزاء بالمليون.

ولا تقف المشكلة عند هذا المؤشر، إذ قد ترتفع مستويات النترات والنتريت والفوسفات والأمونيوم، إلى جانب أعداد العصيات البرازية، فضلاً عن احتمالات ارتفاع مؤشر الفينولات السامة. والمفارقة أن أحد هذه المؤشرات الخطرة لا يخضع للقياس حالياً في مخابر المديرية لعدم توفر الجهاز اللازم، ما يترك فجوة بين حجم المخاطر التي تتحدث عنها الجهات الرسمية وقدرتها الفعلية على رصدها.

وتظهر النتيجة سريعاً في تغير لون المياه ورائحتها، وصولاً إلى فقدان صلاحيتها للاستهلاك البشري، فضلاً عن احتمال خروج آبار وينابيع عن الخدمة، بما يعني حرمان آلاف السكان من مصدر أساسي للمياه.

لجان كثيرة.. والحل خارج الخدمة

تعلن الجهات المعنية تشكيل لجان للكشف على المعاصر قبل الموسم ومراقبتها خلال فترة التشغيل، مع التأكد من جاهزية خزانات تجميع “الجفت” وكتامتها، وتوفر الصهاريج أو شبكات نقل المخلفات.

كما تقول مديرية الزراعة إن المعاصر المخالفة قد تتعرض للإغلاق بقرار من المحافظ، بينما تُطرح خيارات لنشر “الجفت” في مواقع محددة أو استخدامه كسماد عضوي بشروط فنية دقيقة.

لكن المشكلة تكمن في المسافة بين الرقابة النظرية والتنفيذ الفعلي. فمعرفة المخاطر وتحديد المواقع الممنوعة لا تكفي إذا بقيت المعالجة قائمة على متابعة المخالف بعد وقوعها، بدلاً من توفير منظومة تمنع التلوث من الأصل.

أصحاب المعاصر يطالبون بمحطات معالجة

من جهتهم، يطالب أصحاب المعاصر بإعادة النظر في الضرائب وأجور العصر التي يرون أنها لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف التشغيل، لكن مطلبهم الأبرز بيئي: إنشاء محطات لمعالجة مياه “الجفت”، سواء على مستوى المعاصر أو عبر محطات مركزية.

وهذا الطرح يضع الحكومة الانتقالية أمام مسؤولية تتجاوز إصدار التعليمات. فالمعالجة المستدامة تحتاج إلى بنية تحتية وتمويل وتنظيم واضح يحدد المسؤوليات، بدلاً من ترك صاحب المعصرة أمام خيارات مكلفة والجهات الرقابية أمام مهمة مطاردة المخالفات.

موسم جديد بالآليات نفسها

المشكلة أن المحافظة تدخل موسماً جديداً وهي تعرف مسبقاً مواقع الخطر، وطبيعة المخلفات، وسبل الحد من وصولها إلى المياه، وحتى المعاصر والمواقع التي تحتاج إلى متابعة. ومع ذلك، لا يزال الحل الجذري غائباً.

قد تنجح الجولات واللجان في الحد من بعض التجاوزات، لكن حماية الثروة المائية لا يمكن أن تبقى رهينة التزام أصحاب المنشآت أو سرعة استجابة اللجان. فحين تكون المخلفات قادرة على تلويث مصدر مياه، يصبح غياب منظومة معالجة متخصصة ثغرة في الإدارة البيئية نفسها.

وفي طرطوس، لا تكمن المفارقة في أن خطر “الجفت” غير معروف، بل في أن مخاطره موثقة رسمياً، بينما لا تزال المعالجة الفعلية تدور في الحلقة ذاتها: تحذيرات، جولات، لجان، ومخالفات، فيما يبقى الماء ــ الأكثر حساسية والأصعب تعويضاً ــ في نهاية السلسلة.

 

اقرأ أيضاً: بين “النابور” و”اللاقوط”.. كيف تُحدد أجور عمال قطاف الزيتون في طرطوس؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.