قبل الشتاء.. حلب أمام نقاط غرق معروفة وحلول لم تتجاوز الصيانة
في حلب، لا تحتاج مياه الأمطار إلى عاصفة استثنائية كي تكشف هشاشة البنية الخدمية. يكفي هطول متواصل لساعات حتى تعود المشاهد ذاتها: تقاطعات تتحول إلى برك، أرصفة تختفي تحت المياه، ومشاة يغامرون بعبور الشوارع فيما تتناثر المياه عليهم مع مرور السيارات.
المشكلة ليست في المطر بحد ذاته، بل في مدينة ما تزال بعض نقاطها عاجزة عن تصريفه عاماً بعد آخر. ومع اقتراب موسم الشتاء، يعود ملف التصريف إلى الواجهة، حاملاً معه السؤال ذاته الذي لم يجد جواباً حاسماً: لماذا تبقى المواقع نفسها عرضة للغرق رغم تكرار أعمال الصيانة؟
نقاط غرق معروفة.. ومعالجة تتكرر
في أحياء عدة، ولا سيما الشرقية منها، يقول السكان إنهم باتوا يعرفون مسبقاً الشوارع التي ستتجمع فيها المياه مع أول منخفض جوي. ففي حي صلاح الدين، تتحول أجزاء من الشوارع، بينها محيط شارع أبو القاسم الشوا، إلى مساحات يصعب عبورها، بينما تتكرر المشاهد ذاتها في بستان القصر، حيث تصبح بعض الطرق الفرعية شبه سالكة لعدة ساعات.
ولا تتوقف الخسائر عند تعطيل حركة المرور. فالمياه الراكدة تسرّع تآكل طبقات الإسفلت وتكشف عيوب الطرق، فيما تخفي الحفر تحت سطحها، لتزيد مخاطر الحوادث أمام السيارات والدراجات النارية. كما يدفع تعطل الحركة وسائل النقل العامة والمحال التجارية إلى تحمل كلفة إضافية، في مدينة لا تزال بنيتها التحتية تتعافى ببطء شديد.
ويقول سكان إن استمرار المشكلة في النقاط نفسها يجعل أعمال التنظيف وحدها أقرب إلى إدارة للأزمة منها إلى حل لها، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى أحيائهم خلال الفترة الماضية وارتفاع الضغط على الطرق والخدمات.
استعدادات حكومية.. لكن المياه تعود
تؤكد المؤسسة العامة لمياه الشرب في حلب أنها بدأت استعداداتها لموسم الأمطار منذ أيلول، عبر تنظيف المصافي المطرية و”الريغارات” وترحيل الأتربة والأوساخ، إلى جانب تشكيل فرق طوارئ تعمل على مدار الساعة عند توقع الهطولات.
كما تتحدث المؤسسة عن إنشاء مصافٍ جديدة في مواقع عدة، بينها طريق المطار وخط الصالحين-الشيخ سعيد ومنطقة الزيدية، إضافة إلى مصافٍ ضمن مشاريع تأهيل الطرق، فضلاً عن مشروع لاستبدال المصافي الممتدة من جسر الحج باتجاه الشيخ سعيد وإنشاء عشر مصافٍ جديدة.
لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تكشف في الوقت نفسه حدود الاستجابة الحكومية. فحين تتكرر نقاط تجمع المياه في المواقع نفسها كل شتاء، يصبح السؤال متعلقاً بقدرة الشبكة ككل، لا بعدد المصافي التي يجري تنظيفها قبل المنخفضات.
مدينة تحتاج إلى حل قبل هطول المطر
المشكلة التي تواجهها حلب ليست طارئة، ولذلك فإن إبقاء التعامل معها في إطار الاستنفار الموسمي يعني استمرار دورة تتكرر كل عام: تنظيف قبل الشتاء، غرق أثناء المطر، ثم معالجة للنتائج بعد انحسار المياه.
وتبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى خطة حكومية تحدد نقاط الاختناق في شبكة التصريف، وتعيد تقييم قدرتها الاستيعابية، وتربط مشاريع تأهيل الطرق بشبكات تصريف قادرة على استيعابها، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الأعطال الظاهرة.
وفي ظل محدودية الموارد التي تواجهها مؤسسات الحكومة الانتقالية، قد يكون الوصول إلى شبكة مثالية بعيداً، لكن ترك نقاط معروفة لتغرق كل عام لا يمكن أن يبقى مبرراً بالإمكانات وحدها.
في حلب، لا تأتي مياه الشتاء بمفاجآت كبيرة؛ المفاجأة الحقيقية أن المدينة ما تزال تنتظر من مؤسساتها الخدمية أن تتعامل مع مشكلة تعرف أماكنها وموعد عودتها مسبقاً.
اقرأ أيضاً: حي صلاح الدين في حلب يغرق بمياه الأمطار: أزمة بنية تحتية سنوية تعيق الحركة