مواشي دير الزور بلا ماء.. الآبار المعطلة تدفع المربين لبيع قطعانهم

لم تعد المياه في بادية دير الزور الغربي مجرد خدمة ناقصة، بل تحولت إلى كلفة يومية تهدد مصدر رزق آلاف الأسر. فمع خروج آبار ارتوازية عن الخدمة وتضرر خزانات جمع مياه الأمطار، يجد مربو الأغنام أنفسهم أمام خيارين كلاهما مكلف: قطع عشرات الكيلومترات بحثاً عن الماء، أو بيع جزء من القطعان لتأمين ما يكفي لإبقاء البقية على قيد التربية.

وتبدو المفارقة أكثر قسوة في منطقة تضم أكثر من 270 ألف رأس من الأغنام ضمن دائرتي الخريطة والتبني، بينما لا تملك الخطة الحكومية الحالية حلاً سريعاً لتوسيع مصادر المياه. فـالهيئة العامة لإدارة وتنمية وحماية البادية لا تدرج حفر آبار جديدة ضمن خطتها لعامي 2026 و2027، وتكتفي بإعادة تأهيل الآبار المتضررة وفق الإمكانات المتاحة.

35 كيلومتراً من أجل الماء

بالنسبة إلى رمضان الطه، الذي يربي أكثر من 250 رأساً من الأغنام، تبدأ مهمة المياه قبل أي نشاط آخر. يحتاج القطيع إلى نحو 15 برميلاً يومياً، بينما يقطع ابنه مسافة تصل إلى 35 كيلومتراً للوصول إلى مصدر للمياه والعودة بها.

ولا تستوعب السيارة أكثر من سبعة براميل، ما يعني رحلتين يومياً، مع ما يرافقهما من وقود وتكاليف نقل ومخاطر الطريق. وفي الصيف، حين ترتفع حاجة القطعان إلى المياه، تصبح الرحلات أكثر عبئاً، فيما تتقلص قدرة المربي على تحمل الكلفة.

يقول الطه إن آباراً كانت تخدم الأهالي ومربي المواشي توقفت عن العمل، ليختصر التحول الذي طرأ على حياة سكان البادية بالقول: “اليوم صرنا نحنا نروح ندور مي بغير أماكن مشان غنمنا”.

ملايين الليرات لاستمرار القطيع

في منطقة ناضرة، تصل أزمة المياه إلى مستوى أكثر قسوة. يقول المربي عبدالله علي المصطفى الحادي إن نحو 75 إلى 80% من خزانات جمع المياه في المنطقة تعرضت للضرر، فيما تراجع عدد المنازل من نحو 70 أو 75 منزلاً إلى عائلتين فقط.

ويمتلك المصطفى ما بين 500 و550 رأساً، لكنه يدفع نحو 6 إلى 7 ملايين ليرة مقابل حمولة صهريج تكفي قرابة أسبوع، أي ما يقارب مليون ليرة يومياً. ولتغطية هذه النفقات، يضطر إلى بيع رأسين أو ثلاثة من الأغنام أسبوعياً، وقد يصل العدد إلى أربعة رؤوس في بعض الحالات.

ولا تتوقف الكلفة عند المال؛ فالوصول إلى بعض الآبار والمراعي يمر عبر طرق ما تزال مخلفات الحرب والألغام تجعلها محفوفة بالمخاطر.

بئر واحدة تغيّر خريطة السكان

في منطقة عظمان، أدى توقف بئر كانت تخدم القرية ومحيطها إلى تراجع أعداد مربي الأغنام من أكثر من 100 سابقاً إلى نحو 25 حالياً، بحسب المربي حسن الكليل. كما تقلصت قطعان بعض المربين من نحو ألف رأس إلى 100 أو 200 رأس.

ويقول الكليل إن المربي بات يبحث عن الماء قبل المرعى، إذ يقطع أصحاب القطعان مسافات تصل إلى 30 كيلومتراً للوصول إلى مصادر المياه.

وهكذا لا يضرب العطش القطعان وحدها، بل يغيّر الخريطة السكانية للبادية أيضاً، بعدما دفعت ندرة المياه عائلات ومربين إلى الانتقال نحو مناطق أقرب إلى نهر الفرات.

صيانة الآبار بدل توسيع مصادر المياه

تقول الهيئة العامة للبادية إن دورها يتركز على صيانة الآبار القائمة، بينما تقع دراسة المياه الجوفية وتحديد إمكانات استثمارها ضمن اختصاص مديرية الموارد المائية. وقد تصل كلفة إعادة تأهيل بعض الآبار إلى نحو 40 ألف دولار، بحسب معاون مدير زراعة دير الزور أديب الحمود.

ويؤكد الحمود أن استمرار نقص المياه قد يؤدي إلى تراجع الثروة الحيوانية، داعياً إلى إعادة تأهيل الآبار والحفائر والسدود، وإنشاء منشآت لحصاد مياه الأمطار.

لكن حجم المشكلة يجعل الاكتفاء بالصيانة يبدو أقرب إلى إدارة النقص منه إلى معالجة أسبابه. فالحكومة الانتقالية تعرف حجم الثروة الحيوانية واحتياجات البادية، ومع ذلك لا تتضمن خطتها الحالية حفر آبار جديدة، فيما تبقى إعادة المصادر المتوقفة رهناً بالإمكانات.

ومع أكثر من 270 ألف رأس من الأغنام، تصبح المياه شرطاً لبقاء اقتصاد محلي كامل. وعندما يتحول الصهريج إلى مصروف يومي بملايين الليرات، وتصبح الأغنام نفسها وسيلة لتمويل الماء، فإن الأزمة لا تعود نقصاً في مورد طبيعي، بل تتحول إلى استنزاف مباشر للثروة الحيوانية ولقدرة سكان البادية على البقاء في مناطقهم.

اقرأ ايضاً: الجفاف يهدد الثروة الحيوانية في ريف الحسكة.. مربّو المواشي يبيعون قطعانهم لإنقاذ ما تبقّى

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.