حسياء الصناعية بين حلم الإقلاع الصناعي وواقع التكاليف الخانقة في سوريا

تحاول المدينة الصناعية في حسياء بمحافظة حمص أن تستعيد دورها كأحد أبرز محركات الصناعة السورية، وسط موجة من الوعود بإعادة تنشيط الإنتاج وجذب الاستثمارات، إلا أن الطريق ما يزال محفوفاً بعقبات ثقيلة تجعل التعافي الصناعي أقرب إلى معركة يومية تخوضها المصانع للبقاء، لا مساراً مستقراً نحو النمو.

فبينما تتحدث إدارة المدينة عن توسع استثماري ودخول منشآت جديدة إلى الإنتاج، يكشف واقع الصناعيين عن أزمة أعمق تتمثل بارتفاع كلفة الطاقة، وصعوبة تأمين المواد الأولية، وضعف التمويل، وتعقيدات النقل، وهي تحديات تعكس هشاشة البيئة الصناعية السورية بعد سنوات طويلة من التراجع والدمار.

استثمارات جديدة في مدينة تواجه اختبار البقاء

تضم مدينة حسياء الصناعية أكثر من ألف مقسم صناعي، دخل نحو ثلثها مرحلة الإنتاج، فيما استقطبت خلال الفترة الماضية استثمارات جديدة تجاوزت قيمتها 17 مليار ليرة سورية جديدة، مستفيدة من موقعها على طريق دمشق–حلب، وتوافر عدد من الخدمات اللوجستية.

ويؤكد مدير عام المدينة الصناعية طلال زعيب أن نظام الاستثمار الجديد والتسهيلات المقدمة للمستثمرين أسهما في تحريك النشاط الصناعي، مشيراً إلى استمرار العمل على تطوير البنية التحتية، واستكمال مشاريع الطرق والخدمات والاتصالات، إضافة إلى تطوير المرفأ الجاف وخطط النقل السككي.

لكن خلف هذه الصورة الإيجابية، تبقى مشكلة أساسية تواجه المستثمرين: كيف يمكن بناء صناعة تنافسية في بيئة ما تزال تعاني من ضعف الكهرباء وارتفاع تكاليف التشغيل؟

فالصناعة لا تنتعش بالوعود وحدها، بل تحتاج إلى منظومة مستقرة قادرة على تأمين الطاقة والتمويل وسلاسل التوريد، وهي عناصر ما تزال تشكل الحلقة الأضعف في الاقتصاد السوري.

النسيج.. قطاع عريق يصارع كلفة الإنتاج

في قطاع الغزل والنسيج، تبدو التحديات أكثر وضوحاً، إذ يؤكد الصناعي سامي سوسة، مدير عام شركة صباغ وشعبون للنسيج الآلي، أن المصانع تواجه أعباء متراكمة تبدأ من نقص المواد الأولية وارتفاع أسعار الكهرباء والفيول، ولا تنتهي عند قدم الآلات ونقص العمالة المتخصصة.

ويشير سوسة إلى أن المنافسة غير المتوازنة مع المنتجات المستوردة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، دفعت بعض الصناعيين إلى تقليص الإنتاج أو التفكير في الاستيراد بدلاً من التصنيع، في مفارقة تكشف حجم الخلل في السياسات الصناعية.

ويرى أن تخفيض سعر الفيول الصناعي من 475 إلى 400 دولار للطن يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي وحده، إذ تبقى الكهرباء الصناعية وتكاليف المواد الخام والضرائب من أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة.

ويطالب الصناعيون بخطة أوسع تشمل دعم زراعة القطن، وتخفيف الرسوم على الخيوط والمواد الأولية، وتقديم حوافز للتصدير، إضافة إلى مكافحة التهريب الذي يضع المنتج المحلي في مواجهة غير عادلة.

الكهرباء.. العقدة التي تهدد أي تعافٍ صناعي

أما في القطاعات الأخرى، فيؤكد الصناعي وسيم الوفائي أن الطاقة تمثل أكبر تحدٍ أمام استمرار الإنتاج، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء يلتهم جزءاً كبيراً من قدرة المصانع على التوسع.

ويحذر الصناعيون من أن استمرار ضعف التغذية الكهربائية يجعل أي استثمار جديد معرضاً للخطر، لأن خطوط الإنتاج الحديثة تحتاج إلى استقرار لا توفره الحلول المؤقتة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الحكومة السورية الانتقالية مطالبة بالانتقال من سياسة معالجة الأزمات الطارئة إلى بناء استراتيجية صناعية واضحة، تبدأ من إصلاح قطاع الطاقة وتوفير تمويل إنتاجي حقيقي، بدلاً من الاكتفاء بقرارات جزئية ذات أثر محدود.

حسياء ليست المشكلة.. بل مرآة لأزمة الصناعة السورية

تكشف تجربة المدينة الصناعية في حسياء أن المشكلة لا ترتبط بموقع صناعي واحد، بل بأزمة أوسع تضرب القطاع الإنتاجي في سوريا.

فالصناعة السورية تمتلك خبرات بشرية وتاريخاً طويلاً، لكنها تحتاج إلى بيئة مختلفة تسمح لها بالعودة إلى المنافسة. أما استمرار ارتفاع التكاليف وضعف الخدمات، فيجعل المصانع تعمل بمنطق النجاة لا بمنطق التوسع.

وبينما تراهن الحكومة السورية الانتقالية على الاستثمار والصناعة كرافعة للتعافي الاقتصادي، فإن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرتها على معالجة جذور الأزمة: الطاقة، التمويل، البنية التحتية، وسلاسل الإنتاج.

فالمصانع لا تنهض بالتصريحات، بل بالكهرباء المنتظمة، والمواد المتاحة، والقوانين المستقرة، وهي شروط ما تزال الصناعة السورية تنتظر تحقيقها.

اقرأ أيضاً: الصناعة السورية.. عودة متعثرة في مواجهة ركام الحرب

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.