مشاريع العقارات الفاخرة في سوريا.. مليارات للإسمنت الفاخر فيما إعادة الإعمار خارج الأولويات

في الوقت الذي لا يزال فيه ملايين السوريين عاجزين عن تأمين منزل يؤويهم بعد سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، تتسابق الإعلانات الرسمية والاستثمارية للترويج لمشاريع عقارية ضخمة باعتبارها بداية مرحلة جديدة من الإعمار والتنمية. غير أن التدقيق في خريطة هذه المشاريع يكشف مفارقة صارخة؛ فبينما تتجاوز الاستثمارات المعلنة فيها 60 مليار دولار، تبقى أزمة السكن التي يعيشها السوريون خارج دائرة الحل.

فالمشاريع التي تصدرت المشهد، مثل “أبيات هيلز” و”يعفور 963″، لا تستهدف إعادة بناء المدن المدمرة أو تأمين مساكن لفاقدي منازلهم، بل تتجه نحو إنشاء مجمعات سكنية مغلقة ومناطق استثمارية مخصصة لأصحاب الثروات، في وقت يقدّر فيه البنك الدولي كلفة إعادة إعمار المساكن المتضررة بنحو 75 مليار دولار.

عمران للنخبة… وإعمار مؤجل للمدن المنكوبة

لا تبدو هذه المشاريع امتداداً لملف إعادة الإعمار بقدر ما تمثل سوقاً عقارية جديدة موجهة إلى الفئات الأعلى دخلاً، سواء داخل سوريا أو خارجها.

الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم يوضح أن نموذج هذه المشاريع يقوم على “الكومباوندات” السكنية المغلقة التي تضم خدمات تعليمية وتجارية وترفيهية متكاملة، لكنها لا تخاطب السوق التي تعاني من أزمة السكن، ولا تستهدف النازحين أو أصحاب المنازل المدمرة، بل المستثمرين ورؤوس الأموال والمغتربين الباحثين عن ملاذات آمنة لاستثماراتهم.

وبرأيه، فإن هذا النموذج يعزز اقتصاداً مزدوجاً؛ طبقة تملك القدرة على شراء العقار بالدولار، وأغلبية تتآكل دخولها وتزداد ابتعاداً عن حق السكن.

دمشق أولاً… والخراب ينتظر

تكشف خريطة المشاريع المعلنة أن معظمها يتركز في دمشق وريفها والمناطق الأقل تضرراً، فيما تغيب المحافظات التي دفعت الثمن الأكبر للحرب، مثل حلب وحمص ودير الزور والرقة وإدلب، عن الاستثمارات العقارية الكبرى.

ورغم وجود مبادرات محدودة لترميم المنازل، مثل مشروع “عمار” في ريف إدلب الذي يستهدف إصلاح عشرة آلاف منزل بكلفة 50 مليون دولار، فإنها تبقى استثناءً محدوداً أمام موجة من المشاريع التي تتجاوز كلفة الوحدة السكنية فيها مئة ألف دولار.

وترى الخبيرة في الشؤون السياسية والاقتصادية شكران غنيم أن المستثمرين يتجهون إلى المناطق الجاهزة قانونياً وخدمياً، لأنها أقل تعقيداً وأسرع ربحاً من إعادة إعمار المناطق المدمرة، التي لا تزال تعاني من مشكلات البنية التحتية وتعقيدات الملكيات والتنظيم العمراني.

الاستثمار يهرب من الركام

يفسر محمود عبد الكريم هذا التوجه بالفارق بين الاستثمار في “الأرض البكر” والاستثمار فوق أنقاض المدن المدمرة.

فالمستثمر، بطبيعته، يبحث عن الأرض الأقل مخاطرة والأسرع تنفيذاً، بينما تتحول المناطق المتضررة إلى ملفات شائكة تتداخل فيها حقوق الملكية والنزاعات القانونية وغياب الخطط الحكومية الواضحة لحماية حقوق السكان.

ولهذا، يرى أن إعادة الإعمار الحقيقية ليست مشروعاً ربحياً يمكن أن يقوده القطاع الخاص وحده، بل تحتاج إلى تمويل عام ودولي واسع، خاصة مع تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى أن إعادة بناء الأصول المادية في سوريا تتطلب نحو 216 مليار دولار، بينها 75 ملياراً للمباني السكنية فقط.

هل تخفف هذه المشاريع أزمة السكن؟

الإجابة، بحسب الخبراء، تميل إلى النفي. فالعجز السكني في سوريا يتجاوز مليوني وحدة، بينما لا توفر المشاريع المعلنة سوى نحو مئة ألف وحدة سكنية، معظمها خارج القدرة الشرائية لغالبية السوريين.

وتؤكد شكران غنيم أن نجاح أي مشروع لا يقاس بقيمة الاستثمار أو عدد الأبراج، بل بقدرته على تمكين المواطن العادي من امتلاك منزل، وهو ما لا يبدو متحققاً في المشاريع الحالية.

أما الرهان على أن يؤدي بناء مساكن فاخرة إلى انخفاض الأسعار مستقبلاً عبر انتقال الأثرياء إليها، فتصفه قراءة عبد الكريم بأنه افتراض نظري يحتاج إلى سوق مستقرة وعقود طويلة حتى يحقق أثراً ملموساً، وهي شروط لا تتوافر في السوق السورية اليوم.

عقارات بالدولار… وسوريون خارج السوق

يحذر محمود عبد الكريم أيضاً من أن هذه المشاريع ستكرس “دولرة” سوق العقارات، مع تسعير الوحدات بالدولار وتحولها إلى مرجعية سعرية لبقية السوق، بما يوسع الفجوة بين من يملك العملة الصعبة ومن يعتمد على دخل محلي فقد معظم قيمته.

ورغم ما قد تحققه المشاريع من تنشيط لقطاع البناء وتحريك صناعات الإسمنت والحديد واستقطاب استثمارات خارجية، فإن عوائدها الاجتماعية تبقى محدودة، لأنها تتركز في قمة الهرم الاقتصادي، فيما تتراجع فرص امتلاك السكن بالنسبة للغالبية.

بين الإعمار والاستثمار… أي سوريا تُبنى؟

تقدم الحكومة السورية الانتقالية هذه المشاريع بوصفها مؤشراً على عودة الاستثمار وانطلاق مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي. لكن الواقع يكشف مساراً مختلفاً؛ فالأولوية تتجه نحو بناء مدن استثمارية حديثة قبل معالجة واحدة من أكثر الأزمات إلحاحاً، وهي فقدان ملايين السوريين لمساكنهم.

وبين أبراج ترتفع على أطراف دمشق، ومدن ما تزال تعيش بين الركام والخيام، تتسع المسافة بين مفهوم “التطوير العقاري” و”إعادة الإعمار”. فالأول يستثمر في الأرض الأكثر ربحاً، بينما الثاني يبدأ من الإنسان الذي فقد بيته، وهو ما لا تعكسه حتى الآن خريطة المشاريع العقارية الجديدة في سوريا.

 

اقرأ أيضاً: أزمة العقارات في دير الزور: إيجارات المنازل تشتعل وتوقعات بتفاقم المعاناة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.