عودة الأهالي لا تُحيي الحقول.. الزراعة في ريف إدلب الجنوبي تصطدم بإهمال حكومي وارتفاع التكاليف

لم تكن عودة آلاف العائلات إلى بلداتها وقرى ريف إدلب الجنوبي نهايةً لرحلة النزوح الطويلة، بل بداية مواجهة من نوع آخر. فالأرض التي انتظرها أصحابها سنوات لم تستقبلهم كما تركوها؛ حقول مهملة، أشجار مثمرة اقتُلعت، شبكات ري متضررة، وآبار خرجت من الخدمة، فيما بقيت الوعود الرسمية بإحياء القطاع الزراعي عاجزة عن التحول إلى برامج إنقاذ حقيقية.

اليوم، تبدو الزراعة في ريف إدلب الجنوبي، التي كانت لعقود العمود الفقري لاقتصاد المنطقة، عالقة بين إرادة المزارعين بالعودة، وعجز الحكومة السورية الانتقالية عن توفير الحد الأدنى من مقومات التعافي، لتتحول العودة إلى القرى إلى مشهد ناقص، تستعاد فيه المنازل تدريجياً، فيما تبقى الحقول خارج دورة الإنتاج.

الأرض عادت… لكن الإنتاج لم يعد

في ريف معرة النعمان ومحيطه، لا يكفي فتح الطريق إلى الأرض لاستئناف الزراعة. سنوات الإهمال تركت آثارها الثقيلة على التربة والأشجار ومصادر المياه، وأصبح تنظيف الأراضي وإعادة تأهيلها يحتاج إلى إمكانات مالية تفوق قدرة معظم المزارعين.

المزارع موسى الحمو، من ريف معرة النعمان الشرقي، يقول إن كثيراً من بساتين الزيتون والتين التي كانت تؤمن مصدر رزق العائلات تعرضت للتلف أو الاقتلاع، فيما باتت إعادة زراعتها تتطلب سنوات جديدة وكلفة مرتفعة. ويضيف أن الأعشاب والآفات غطت الأراضي، بينما تضاعفت أسعار الأسمدة والشتول والوقود، لتصبح العودة إلى الإنتاج معركة يومية أكثر منها موسماً زراعياً.

حين يهجر الشباب الأرض

ولم يقتصر التغيير على الحقول، بل طال أصحابها أيضاً. فسنوات النزوح دفعت آلاف الشبان إلى العمل في البناء والتجارة والمهن الخدمية، بعدما فقدت الزراعة قدرتها على تأمين دخل مستقر.

الشاب عبدو الموسى، أحد أبناء ريف معرة النعمان، يؤكد أن أسرته كانت تعتمد بالكامل على الزراعة قبل النزوح، إلا أن كلفة إعادة استثمار الأرض بعد العودة أصبحت أكبر من قدرتها المالية، ما اضطره إلى ترك الحقول والعمل في قطاع البناء لتأمين احتياجات أسرته.

هذا التحول لا يعكس تغيراً فردياً، بل يكشف تبدل البنية الاقتصادية للريف، حيث لم تعد الزراعة الخيار الأول لشريحة واسعة من الشباب، في ظل ضعف العائد وارتفاع المخاطرة.

قطاع يختنق بين الغلاء والإهمال

وتؤكد المهندسة الزراعية براءة عبيد أن القطاع الزراعي استعاد جزءاً محدوداً من نشاطه، إلا أن التعافي ما يزال هشاً بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص اليد العاملة، وتراجع الخدمات الزراعية.

وتوضح أن أجور العمال والمحروقات والأسمدة والمبيدات ارتفعت بصورة غير مسبوقة، بينما ازدادت صعوبات الري وتسويق المحاصيل، الأمر الذي دفع عدداً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عنها بالكامل.

ورغم أن الحكومة السورية الانتقالية تؤكد دعمها للقطاع الزراعي، فإن الواقع الميداني يكشف استمرار غياب خطة متكاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية أو تقديم برامج دعم حقيقية تخفف الأعباء عن المنتجين، ما يجعل المزارعين يتحملون وحدهم كلفة التعافي.

جهود محدودة أمام أزمة أكبر

وتقول مديرية الزراعة في إدلب إن الموسم الحالي شهد تحسناً نسبياً مع عودة بعض الأراضي إلى الاستثمار، مشيرة إلى استمرار العمل على تقديم الإرشاد الزراعي، وردم السواتر والخنادق، والتنسيق مع الجهات الداعمة لتوفير جزء من مستلزمات الإنتاج.

غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبدو أقل بكثير من حجم الأزمة التي يعيشها الريف، في ظل استمرار ارتفاع التكاليف، وتضرر البنية التحتية، وانتشار الألغام في بعض المناطق، وغياب برامج حكومية واسعة لإعادة تأهيل القطاع.

وبينما يستعيد الأهالي منازلهم تدريجياً، تبقى الحقول شاهداً على تعافٍ مؤجل. فعودة السكان وحدها لا تعني عودة الزراعة، ما لم تتحول الوعود الرسمية إلى سياسات تنفيذية تعيد الحياة إلى الأرض، وتمنح المزارع القدرة على الإنتاج من جديد، بدلاً من دفعه إلى هجرها مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت ضغط الفقر والإنهاك الاقتصادي.

 

اقرأ أيضاً: الزراعة السورية بين نار التكاليف وغياب الدعم.. هل تُرك الفلاح وحيداً في مواجهة الانهيار؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.