موازنة تُموَّل من جيوب السوريين.. هل أصبحت الرسوم والضرائب غير المباشرة ركيزة الخزينة؟
لم يعد النقاش الاقتصادي في سوريا يدور فقط حول التضخم أو تراجع الدخل، بل حول سؤال أكثر حساسية: من يدفع فعلياً فاتورة تمويل الدولة؟ ففي وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً معيشية متصاعدة، تكشف المؤشرات الاقتصادية أن قسماً كبيراً من الإيرادات العامة لـ الموازنة بات يعتمد على الرسوم والضرائب غير المباشرة التي يتحملها المستهلكون يومياً عبر السلع والخدمات الأساسية.
الغلاء يغيّر وجهه
بحسب تقرير التضخم السنوي الصادر عن المركز السوري لبحوث السياسات، دخلت الأزمة المعيشية مرحلة مختلفة، إذ لم يعد الغذاء المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار، بل تقدمت تكاليف السكن والطاقة والخدمات إلى واجهة المشهد.
وسجل معدل التضخم السنوي نحو 27.5% خلال نيسان الماضي، بينما ارتفع التضخم الشهري إلى 3.5%. وكان العبء الأكبر من نصيب مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز التي ساهمت بأكثر من ثلاثة أرباع الزيادة الشهرية للأسعار، مدفوعة بارتفاع الإيجارات وأسعار الطاقة والخدمات الأساسية.
هذا التحول يعكس واقعاً جديداً تعيشه الأسر السورية، حيث باتت الفواتير الشهرية والخدمات اليومية تشكل التحدي الأكبر أمام ميزانياتها المحدودة، أكثر من أسعار الغذاء التي لطالما تصدرت مؤشرات الغلاء.
عجز مالي وإيرادات تبحث عن مصادر
تزامناً مع ذلك، تبلغ نفقات موازنة عام 2026 نحو 10.5 مليارات دولار، مقابل إيرادات متوقعة تقارب 8.7 مليارات دولار، ما يترك فجوة تمويلية تصل إلى 1.8 مليار دولار.
وفي محاولة لسد هذا العجز، اتجهت السياسات المالية إلى توسيع أدوات التحصيل عبر الرسوم والضرائب المختلفة والسلف المفروضة على المستوردات، وهو ما يراه مراقبون خياراً سريعاً لتأمين الإيرادات، لكنه يثير تساؤلات حول كلفته الاجتماعية والاقتصادية.
العبء الأكبر على المستهلك
الباحث الاقتصادي محمد علبي يرى أن بنية الإيرادات العامة تكشف اختلالاً واضحاً، إذ تشكل الضرائب والرسوم النسبة الأكبر من موارد الخزينة، بينما تبقى مساهمة الضرائب المباشرة محدودة للغاية.
وبحسب قراءته، فإن الاعتماد المتزايد على الضرائب غير المباشرة يعني عملياً تحميل المستهلكين الجزء الأكبر من أعباء التمويل، بغض النظر عن مستويات دخلهم، الأمر الذي يضغط بصورة أكبر على الشرائح الأقل دخلاً ويؤدي إلى تآكل قدرتها الشرائية.
ويحذر علبي من أن استمرار هذا النهج لا ينعكس على الأسر فقط، بل يمتد إلى الأسواق والإنتاج المحلي، لأن تراجع الإنفاق الاستهلاكي يضعف الطلب ويحد من حركة التجارة والصناعة معاً.
معادلة صعبة
تبدو الحكومة أمام معادلة معقدة بين الحاجة إلى تأمين موارد مالية سريعة وبين الحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي. فبينما توفر الرسوم والضرائب غير المباشرة دخلاً فورياً للخزينة، فإن استمرار الاعتماد عليها في ظل اتساع فجوة الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة قد يفاقم معدلات الفقر ويحد من قدرة الاقتصاد على التعافي.
ومع توقعات بموجات تضخمية جديدة مرتبطة بارتفاع أسعار المحروقات والخدمات، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد السوري الاستمرار في تمويل موازنته من جيوب المستهلكين، قبل أن تتحول الضغوط المعيشية إلى عائق أكبر أمام النمو والاستقرار الاقتصادي؟
اقرأ أيضاً: استبدال العملة السورية.. هل تنجح ثالث مهلة في إنهاء تداول الليرة القديمة؟