ظاهرة نشل الحقائب بالدراجات النارية في دمشق: فلتان أمني يثير رعب المارة
تحول السير في شوارع العاصمة السورية دمشق مؤخراً من جولة اعتيادية إلى مناورة حذرة ومحفوفة بالمخاطر. فقد باتت حقائب الكتف واليد—للرجال والنساء على حد سواء—غنائم مستباحة يترصدها نشالون يستقلون دراجات نارية، لشن غارات خاطفة تستهدف المارة عند إشارات المرور، وفي المواقف العامة، وعلى الأرصفة.
تعتمد هذه العمليات على آلية مكررة ورتيبة؛ حيث تقترب دراجة مسرعة من الخلف، ويمد راكبها يده بخفة ليخطف حزام الحقيبة في لحظة انشغال عابر السبيل، ثم يختفي خلال ثوانٍ معدودة.
كابوس فقدان الأوراق الثبوتية والروتين الحكومي
لا تقتصر الخسارة في هذه الجرائم على الأموال والمقتنيات الثمينة فحسب، بل تمتد لتسلب الضحايا أوراقهم الثبوتية، وبطاقاتهم الجامعية أو المهنية. هذا الفقدان المفاجئ يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع إجراءات المعاملات الرسمية المعقدة لاستخراج بدائل عنها في مؤسسات حكومية أنهكها الروتين والبيروقراطية.
وتكتسب هذه الظاهرة أبعاداً مقلقة لكونها تسجل تصاعداً لافتاً في مرحلة ما بعد بسط الحكومة سيطرتها العسكرية على العاصمة ومحيطها—وهي المرحلة التي تروّج لها الماكينة الرسمية كبوابة لاستعادة الأمان. ويعزو مراقبون هذا الفلتان الأمني إلى:
-
الانهيار الحاد في القوة الشرائية لليرة السورية وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
-
تفشي المواد المخدرة والاتجار بها بين فئات الشباب.
شهادات حية من قلب الحدث: “ثوانٍ من الذهول الرعب”
تتطابق روايات الضحايا في شوارع دمشق حول السرعة الفائقة التي تُنفَّذ بها عمليات النشل، والتي لا تترك للناس سوى ثوانٍ من الصدمة قبل استيعاب حجم الخسارة.
-
سليمان (سائق دراجة كهربائية): يروي لموقع “تلفزيون سوريا” تفاصيل نجاته بأعجوبة قائلاً: “كنت أقود دراجتي، وفجأة اقتربت مني دراجة نارية مسرعة يستقلها شخصان، وكانت أعينهما مركّزة على الحقيبة المثبتة على المقود. مد أحدهما يده لخطغها، لكنني انتبهت في اللحظة الأخيرة وتمكنت من الهرب.. الرعب وحده يكفي”.
-
خالد (تعرض للسرقة ليلاً): يستعيد تلك اللحظة بمرارة وهو يسير برفقة خطيبته قرب بنك سورية الدولي: “مرّت دراجة نارية كالصاروخ، وبحركة خاطفة سحبت الحقيبة من يدنا وهربت. حدث كل شيء في لمح البصر، ومن شدة الصدمة لم أستطع حتى الصراخ”.
-
حاتم (حادثة في منطقة البرامكة المزدحمة): يقول: “كنت أتمشى في البرامكة نهاراً، وفي ثانية واحدة خطف شخصان على دراجة نارية حقيبتي. المشكلة أنهم يحفظون مداخل الحارات الفرعية المظلمة عن ظهر قلب، مما يجعل ملاحقتهم مستحيلة”.
الأمن الجنائي ومحافظة دمشق: بين البلاغات الرقمية وحظر الدراجات
في مقلب الإجراءات الرسمية، أكد عضو في إدارة الأمن الجنائي (قسم المعلومات) لموقع “تلفزيون سوريا” أن الحد من هذه الجرائم يرتبط مباشرة بوعي المواطن قانونياً.
إدارة الأمن الجنائي: “معظم من يتعرضون للنشل يكتفون بنشر تفاصيل الحادثة عبر حساباتهم الشخصية على منصة ‘فيسبوك’ وترديد عبارة (قدر الله وما شاء فعل)، دون تقديم بلاغ رسمي في مخفر الشرطة، وهو سلوك يعيق العمل الجنائي وبناء قاعدة بيانات أمنية دقيقة لتحديد بؤر الضعف والاعتماد على كاميرات المراقبة”.
ومع تكامل الأدوار الخدمية والتنظيمية، أصدر محافظ دمشق، ماهر إدلبي، قراراً يقضي بـ:
-
تنظيم وملاحقة حركة الدراجات النارية في الشوارع والأسواق الحيوية.
-
حظر تجوال الدراجات النارية غير النظامية (المهربة أو غير المرخصة).
ورغم هذه الحملات، يرى سكان العاصمة أن فاعليتها تبقى مؤقتة ومرهونة بمدى استمرارية الملاحقة وقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط المداخل والزواريب الفرعية.
أساليب الدفاع الذاتي: كيف يحمي سكان دمشق أنفسهم؟
في ظل غياب الحلول الأمنية الجذرية، اضطر المارة في دمشق إلى ابتكار حيل يومية ودفاعات ذاتية لحماية ممتلكاتهم:
-
تغيير نوعية الحقائب: استبدال حقائب اليد والكتف التقليدية بحقائب متقاطعة على الجسم (Crossbody)، مع تثبيتها من الجهة الأمامية وتغطيتها بالملابس.
-
تكتيك الجيوب الداخلية: الاعتماد على الجيوب العميقة لفصل المقتنيات الثمينة (الهواتف الذكية، النقود، الأوراق الرسمية) عن الحقيبة، لتخفيف حجم الخسارة في حال حدوث السرقة.
-
تغيير أنماط السير: السير في عمق الأرصفة بالقرب من واجهات المحلات التجارية وتجنب أطراف الشوارع لإعاقة اندفاع الدراجات.
-
تجنب العتمة: الابتعاد كلياً عن الأزقة المظلمة الناتجة عن انقطاع الكهرباء (التقنين اللامتناهي)، وتفضيل الطرق الرئيسية المزدحمة حتى لو كانت أطول.
خلاصة: أمن معلّق بالحِيَل الفردية
تلخّص ظاهرة نشل الحقائب المتصاعدة في دمشق مشهداً أمنياً مضطرباً، يعجز فيه القرار التنظيمي والجهد الجنائي عن مجاراة سرعة الجريمة المنظمة على الدراجات النارية. ومع استمرار الأسباب البنيوية من فقر وتفشٍ للمخدرات، يبقى الاعتماد على الجيوب الداخلية والحقائب المحكمة هو البديل المؤقت لحين غياب منظومة أمنية متكاملة قادرة على ضبط الشارع وفكّ عقد الانفلات الجنائي في سوريا.
إقرأ أيضاً: السلع المستعملة في سوريا.. سوق يتوسع تحت ضغط الغلاء ويعيد رسم ثقافة الاستهلاك
إقرأ أيضاً: بين الأمن ولقمة العيش.. مصادرة الدراجات النارية تفتح جدلاً واسعاً في دمشق