العنف الأسري في المجتمع السوري: ما الذي يدفع الضحايا إلى الصمت؟
تواجه العديد من النساء في المجتمع السوري أشكالاً متعددة من العنف الأسري، في ظل تداخل معقد بين عوامل اجتماعية، ثقافية، ونفسية. ومع استمرار ممارسات التستر والتكتم على هذه الانتهاكات، تبرز تساؤلات ملحة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الصمت، ومدى تأثيره على الضحية، فضلاً عن دور المفاهيم والتقاليد السائدة في تكريس هذه الظاهرة أو الحد منها.
أسباب صمت الضحايا عن العنف الأسري في سوريا
في قراءة تحليلية لأبعاد هذه الظاهرة، تؤكد سُميّة محمد عبد الفتّاح الاختصاصية النفسية والمحاضِرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب أن إجبار المرأة أو العائلة على الصمت تجاه العنف -سواء كان من الزوج أو أحد أفراد الأسرة- يرتبط بمنظومة معقدة من الضغوط، مشددة على أن “الصمت لا يعني الرضا أبداً”.
ويمكن تلخيص أبرز دوافع الصمت في النقاط التالية:
-
الخوف من الوصمة الاجتماعية: تخشى الكثير من العائلات انهيار صورتها أمام المجتمع، معتقدةً أن الحفاظ على “سمعة العائلة” أولى من حماية الضحية.
-
الخوف من تصاعد الأذى: تخشى الضحية زيادة حدة التعنيف إذا حاولت الإبلاغ أو الشكوى.
-
التبعية الاقتصادية وحرمان الأطفال: غياب الدعم المادي البديل، والخوف الحقيقي من خسارة حضانة الأطفال.
-
لوم الضحية وغياب الأمان: غياب البيئة الداعمة، حيث تُقابل المرأة المعنَّفة باللوم بدلاً من المساندة والعلاج.
تحول المفاهيم: إن الخصوصية الأسرية قيمة اجتماعية مهمة، لكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تتحول عبارة “البيوت أسرار” إلى غطاء لانتهاك حقوق الإنسان، أو مبررٍ لإخفاء الأذى الجسدي، النفسي، الجنسي، أو الاقتصادي.
ظاهرة “العجز المتعلَّم” وتوارث العنف عبر الأجيال
توضح الاختصاصية سُميّة عبد الفتاح أن استمرار التكتم يساهم في إغلاق دائرة العنف وزيادة حدته. ومع الوقت، قد تصاب المرأة بحالة نفسية تُعرف في علم النفس بـ “العجز المتعلَّم” (Learned Helplessness).
ما هو العجز المتعلَّم؟
هي حالة تفقد فيها الضحية الإيمان بقدرتها على تغيير واقعها أو حماية نفسها، فتنظر إلى طلب المساعدة على أنه غير مجدٍ، ويتحول الصمت هنا من قبولٍ بالواقع إلى مجرد وسيلة بيولوجية ونفسية للبقاء.
انتقال العنف عابر الأجيال
تشير الدراسات النفسية إلى أن تطبيع العنف داخل الأسرة يؤدي إلى انتقاله عبر الأجيال؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة ترى في الضرب والإهانة وسيلة طبيعية لحل الخلافات، غالباً ما يعيد إنتاج هذا السلوك مستقبلاً، إما بصفتة معنِّفاً أو ضحية.
الآثار النفسية البعيدة المدى للعنف الأسري على المرأة
يُصنف العنف الأسري كأحد أقسى التجارب الصادمة التي تدمر الصحة النفسية للمرأة، وتمتد آثارها لسنوات طويلة عبر عدة مظاهر:
1. الاضطرابات النفسية الشائعة
-
الاكتئاب الحاد: يتجلى في الحزن المستمر، فقدان الشغف بالأنشطة اليومية، اضطرابات النوم والكوابيس، وقد يتطور في الحالات الشديدة إلى أفكار انتحارية أو إيذاء الذات.
-
اضطرابات القلق والهلع: العيش في حالة ترقب دائم وتوتر مفرط خوفاً من اعتداء جديد.
-
اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): استرجاع متكرر ومؤلم للأحداث الصادمة، وفرط الاستثارة الانفعالية.
2. التداعيات السلوكية والاجتماعية
-
تدمير تقدير الذات: تكوين صورة سلبية عن النفس والشعور بالدونية، حيث تميل بعض النساء تحت وطأة التلاعب النفسي (Gaslighting) من قِبل المعنِّف إلى تحميل أنفسهن مسؤولية الأذى.
-
العزلة والانكفاء: الانسحاب من المحيط الاجتماعي والشعور بالخجل، مما يقلل من جودة الحياة والرفاه النفسي.
آليات الحد من ظاهرة العنف الأسري: نحو نهج متكامل
تتطلب مواجهة العنف الأسري في المجتمع السوري تطبيق استراتيجية شاملة تدمج بين الجوانب النفسية، الاجتماعية، والقانونية:
| المحور | الآليات والحلول المقترحة |
| المحور النفسي | تعزيز الوعي بمهارات التواصل الفعّال، إدارة الغضب، وحل النزاعات أسرّياً، مع توفير مراكز إرشاد نفسي تضمن السرية والخصوصية للضحايا. |
| المحور الاجتماعي | إطلاق برامج توعية لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تخلط بين “القوامة والمسؤولية” وبين “السيطرة والإيذاء”، ونشر ثقافة الاحترام المتبادل. |
| المحور القانوني | تفعيل قوانين رادعة، وتوفير آليات إبلاغ آمنة وسهلة، وضمان الحماية الجسدية والقانونية الكاملة للضحايا. |
ختاماً، تؤكد القيم الإنسانية والأديان السماوية كافة على قيم الرحمة، العدل، وصون الكرامة، ولم تجعل العنف يوماً أداة للتربية أو وسيلة لإدارة الحياة الزوجية. إن كسر حاجز الصمت والتعاون بين المؤسسات التعليمية، الصحية، والقضائية هو الخطوة الأولى لإنقاذ الأفراد وبناء مجتمع سوي وصحي.
إقرأ أيضاً: المرأة السورية: ركيزة للتعافي الاقتصادي وشريك أساسي في ترسيخ الاستقرار المجتمعي