أسواق البسطات في حلب.. محاولة لترتيب الفوضى وسط شوارع تبحث عن متنفس

في مدينة أنهكتها سنوات الفوضى وتراكمت فيها الإشغالات حتى تحولت الأرصفة إلى مساحات مغلقة أمام المارة، تحاول محافظة حلب إعادة رسم العلاقة بين الشارع والبائع والمواطن عبر تجربة جديدة تقوم على نقل البسطات العشوائية إلى أسواق مخصصة.

المشروع الذي أطلقته المحافظة خلال الفترة الماضية يهدف إلى إنهاء ظاهرة انتشار البسطات على الأرصفة والطرقات، عبر إنشاء «بازارات» منظمة تستوعب أصحابها، في خطوة تسعى من خلالها الحكومة السورية الانتقالية إلى ضبط المشهد الحضري وتخفيف الاختناقات في شوارع المدينة.

لكن التجربة، رغم ما حملته من ارتياح لدى بعض السكان، كشفت أيضاً عن واقع أكثر تعقيداً؛ فتنظيم الأسواق لا يكفي وحده لإنهاء مشكلة نشأت خلال سنوات طويلة، ما لم يترافق مع إدارة فعالة ورقابة مستمرة وخدمات تضمن استمرار التجربة وعدم تحولها إلى نسخة جديدة من الفوضى.

أرصفة تستعيد مساحتها.. وباعة يبحثون عن الاستقرار

جاءت قرارات إزالة الإشغالات بعد شكاوى متكررة من سكان حلب بسبب احتلال البسطات للأرصفة وإجبار المشاة على استخدام الطرقات، إلا أن أصحاب هذه البسطات تمسكوا بحقهم في توفير بدائل قبل إخلاء مواقعهم، باعتبارها مصدر رزقهم الوحيد.

وفي جولة لصحيفة «الثورة السورية» داخل أحد البازارات في حي الفرقان، تحدث عدد من أصحاب البسطات عن صعوبات ما تزال تعيق نجاح التجربة.

ويشير صالح شاشو إلى أن غياب الرقابة على دخول أشخاص غير مسجلين ضمن قوائم السوق يؤدي إلى ازدحام داخل المكان، ويؤثر في أصحاب البسطات الذين حصلوا على مواقعهم بشكل رسمي، في ظل مساحة محدودة لا تستوعب أعداداً إضافية.

أما عبد الرحمن مهير، الذي كان يعمل في حي الأعظمية قبل انتقاله إلى البازار، فيرى أن المشكلة الأساسية تكمن في الحاجة إلى أسواق ثابتة داخل كل حي، بدلاً من اضطرار أصحاب البسطات إلى التنقل لمسافات طويلة بحثاً عن الزبائن.

ويطالب محمد عرب بتطوير البنية الخدمية للأسواق، من خلال توفير مظلات تحمي البضائع من عوامل الطقس، وتأمين دورات مياه ومرافق أساسية، معتبراً أن الفكرة جيدة لكنها ما تزال في بدايتها وتحتاج إلى استكمال.

تنظيم بلا خدمات.. اختبار أمام الإدارة المحلية

يرى مجلس مدينة حلب أن إنشاء البازارات يمثل محاولة لإيجاد توازن بين حق السكان في شوارع منظمة وحق أصحاب البسطات في العمل، موضحاً أن اختيار المواقع جاء بعد دراسة لتجنب إغلاق الطرقات أو التأثير على مداخل الأبنية السكنية.

وأكد المجلس أن الأسواق الحالية دائمة وليست مؤقتة، وأن توزيع البسطات يعتمد على مساحة كل موقع، مع استمرار إزالة الإشغالات خارج الأماكن المحددة وفق الأنظمة المعتمدة.

إلا أن التحدي الأكبر لا يرتبط بقرار الإزالة بقدر ما يتعلق بقدرة الجهات المحلية على إدارة هذه الأسواق بعد افتتاحها؛ إذ إن تجارب سابقة في المدن السورية أظهرت أن غياب المتابعة يحول المشاريع التنظيمية سريعاً إلى مساحات جديدة للعشوائية.

بين راحة السكان وضيق الخيارات

يرى عدد من الأهالي أن إزالة البسطات المخالفة أعادت شيئاً من الحياة إلى الأرصفة والشوارع، بعدما أصبحت الحركة داخل المدينة أكثر صعوبة خلال السنوات الماضية.

وتقول عبير مداراتي، من سكان حي الفرقان، إن الشوارع باتت أكثر انفتاحاً بعد تراجع انتشار البسطات العشوائية، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن أسعار بعض المنتجات داخل البازارات لم تعد منخفضة كما كان متوقعاً مقارنة بالمحال التجارية.

وتبقى التجربة أمام اختبار حقيقي؛ فنجاحها لا يقاس فقط بعدد الأرصفة التي أُخليت، بل بقدرتها على خلق نموذج اقتصادي منظم يحفظ للباعة مصدر رزقهم ويحمي المدينة من عودة الفوضى.

ففي مدينة تحمل إرثاً ثقيلاً من الإهمال والتشوه العمراني، لا يكفي نقل المشكلة من الشارع إلى سوق جديد، بل تحتاج حلب إلى إدارة طويلة النفس تعالج جذور الأزمة، وتمنح التنظيم معنى يتجاوز الحملات المؤقتة والإجراءات الظرفية.

 

اقرأ أيضاً: سوق الريجة في اللاذقية يعود إلى الواجهة.. لماذا فشلت محاولات نقل البسطات؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.