الأمم المتحدة تطالب سوريا بتعديل قانون الجنسية وإنصاف الأمهات

تواجه أمهات سوريات صعوبات قانونية وإدارية في تسجيل أطفالهن والحصول على وثائق رسمية تثبت هوياتهم، في ظل تشريعات لا تتيح للمرأة نقل جنسيتها إلى أبنائها على قدم المساواة مع الرجل، إلى جانب تداعيات سنوات الحرب، التي شملت فقدان الوثائق وتعذّر تسجيل الزيجات والولادات، فضلاً عن حالات فقدان الآباء أو مقتلهم.

وفي هذا السياق، دعت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، التابعة للأمم المتحدة، الحكومة السورية إلى تعديل التشريعات المتعلقة بالهوية القانونية والجنسية، بما يضمن حقوق الأطفال المولودين لأمهات سوريات وآباء غير سوريين، ويسهّل تسجيل الأطفال الذين فقدوا وثائقهم خلال سنوات النزاع.

وقالت اللجنة، في ورقة نشرتها الثلاثاء، إن غياب الوثائق القانونية يُعد من التداعيات الواسعة للحرب، مشيرة إلى أن العوائق المرتبطة بالنوع الاجتماعي تزيد من تعقيد المشكلة وتحدّ من قدرة الأطفال على الوصول إلى حقوقهم الأساسية.

ويستند قانون الجنسية السورية إلى المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969، الذي يعتمد بصورة رئيسية على مبدأ انتقال الجنسية عن طريق الأب. وتنص المادة الثالثة على اعتبار كل من وُلد داخل سوريا أو خارجها لأب سوري مواطناً سورياً، في حين لا يتيح القانون للأم السورية نقل جنسيتها تلقائياً إلى أطفالها إذا كان والدهم يحمل جنسية أخرى.

ويتضمن القانون استثناءات محدودة، من بينها حالات الأطفال المولودين داخل سوريا الذين لا يثبت نسبهم إلى الأب قانونياً. إلا أن لجنة التحقيق أشارت إلى محدودية تطبيق هذه الاستثناءات أمام المحاكم، ما يصعّب استفادة الأمهات منها، ولا سيما عندما يكون الأب مفقوداً أو متوفى أو يتعذر الوصول إليه.

تعقيدات تتجاوز الحصول على الجنسية

ولا تقتصر آثار هذه القيود على تحديد جنسية الطفل، بل تمتد إلى إجراءات تسجيل الولادة وإثبات الزواج والنسب، وهي خطوات أساسية للحصول على الوثائق المدنية اللازمة لمتابعة التعليم والوصول إلى الخدمات الصحية وغيرها من الحقوق.

وتواجه الأمهات صعوبات إضافية عند غياب وثيقة الزواج أو أوراق الأب، خصوصاً في الحالات التي تتطلب حضوره لاستكمال المعاملات. كما تشكل تكاليف التقاضي والرسوم ومتطلبات الإثبات عوائق أمام بعض الأسر، وقد تؤدي إلى تأخير تسجيل الأطفال أو تعذّر تسوية أوضاعهم القانونية.

وزادت سنوات الحرب من تعقيد هذه الحالات، مع تسجيل زيجات غير موثقة بين سوريات ورجال أجانب، بينهم مقاتلون، ومقتل بعض الأزواج أو فقدانهم. ووجدت أمهات في هذه الظروف صعوبة في إثبات الزواج أو النسب، فيما بقي أطفالهن من دون وثائق مدنية مكتملة، أو واجهوا عقبات في الحصول على جنسية أحد الوالدين.

وخلال زيارات أجرتها اللجنة إلى عدد من المحافظات السورية في حزيران وتموز الماضيين، التقت نساء لديهن أطفال لم تُسجل ولاداتهم في السجلات المدنية. وأفادت هؤلاء بوجود عقبات متكررة، أبرزها متطلبات إثبات النسب والتكاليف المالية المرتبطة باللجوء إلى القضاء.

كما أسهم النزوح واللجوء في تفاقم المشكلة، إذ فقدت عائلات وثائقها أثناء مغادرة منازلها، أو تعذّر عليها تسجيل الوقائع المدنية في مناطق خرجت عن سيطرة السلطات الرسمية خلال الحرب. وواجهت أسر عادت من الخارج بدورها صعوبات في استكمال إجراءات تسجيل زيجات وولادات حدثت خارج البلاد.

وحذرت اللجنة من أن الأسر التي تعيلها نساء تتحمل قسطاً أكبر من هذه التداعيات، بسبب ارتفاع المخاطر الاقتصادية والأمنية ومحدودية القدرة على تأمين التعليم والرعاية الصحية والتغذية للأطفال. واعتبرت أن غياب الوثائق لا يمثل مجرد مشكلة إدارية، بل قد يتحول إلى عامل يزيد هشاشة الأسرة ويحد من حصول الأطفال على حقوقهم وخدماتهم الأساسية.

وفي السياق نفسه، تشير مواد إرشادية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن انعدام الجنسية في سوريا إلى أن ربط منح الجنسية بالأب، إلى جانب اشتراطات تسجيل الزواج والولادة، يزيد احتمالات بقاء بعض الأطفال من دون جنسية أو وثائق، خصوصاً عندما يكون الأب مجهولاً أو عديم الجنسية أو غير قادر على إثبات هويته. كما تلفت إلى أن الضمانات القانونية الواردة في التشريع السوري للحد من انعدام الجنسية لا تُطبق دائماً بصورة فعالة.

توصيات بتعديل التشريعات ودعم التسجيل المدني

ودعت لجنة التحقيق الحكومة السورية إلى إقرار المساواة بين النساء والرجال في حق منح الجنسية لأطفالهم، وتوفير الدعم المالي والفني للوزارات المعنية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة.

كما أوصت بإعفاء الأشخاص الذين بلغوا 18 عاماً من المتطلبات الإضافية المنصوص عليها في قانون الجنسية، وضمان حق الأطفال المولودين لأمهات سوريات أو آباء سوريين خلال الأزمات والنزاعات في التقدم للحصول على الجنسية على قدم المساواة.

وشملت التوصيات مطالبة المجتمع الدولي بتوفير التمويل والخبرات الفنية اللازمة لتعديل التشريعات، وتدريب العاملين في المؤسسات المعنية، وتطوير البنية التحتية الخاصة بتسجيل الوقائع المدنية. كذلك دعت اللجنة الدول التي يُحتمل وجود أطفال في سوريا تربطهم بها صلات أسرية إلى تقديم الدعم القنصلي وتسهيل وصول الأطفال وأسرهم إلى حقوقهم المحتملة في الجنسية.

وفي رد أرفقته اللجنة بالورقة، قالت الحكومة السورية إنها تنظر إلى الهوية القانونية للطفل بوصفها وسيلة لحمايته وضمان اندماجه في مؤسسات الدولة وتمكينه من ممارسة حقوقه، وليس مجرد إجراء لتصحيح وثيقة.

وتعيد هذه التوصيات فتح ملف قانون الجنسية السورية، في ظل استمرار آثار الحرب على السجلات المدنية، ووجود أطفال لم تُحسم أوضاعهم القانونية، وسط مطالبات بتعديل التشريعات بما يضمن عدم حرمانهم من الحقوق بسبب جنس أحد الوالدين أو تعذّر استكمال الوثائق.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.