غلاء الفروج في سوريا.. من يحصد الأرباح الأكبر بين المربي والمطاعم؟
تحول الفروج في سوريا، الذي كان لسنوات من أكثر مصادر البروتين الحيواني قدرة على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، إلى أحد أبرز الأمثلة على ارتفاع تكاليف الغذاء واختلالات التسعير في الأسواق، بعدما تجاوز ارتفاع أسعار الوجبات الجاهزة الزيادة المسجلة في أسعار الدجاج نفسه.
وفي وقت يواصل فيه المستهلكون الشكوى من تراجع قدرتهم الشرائية، يؤكد مربو الدواجن أنهم لا يحصلون على العوائد الأكبر من موجة الغلاء، رغم تحملهم تكاليف الإنتاج المرتفعة، ما يفتح باب التساؤلات حول الجهات المستفيدة فعلياً من ارتفاع أسعار الفروج في السوق السورية.
فجوة بين سعر الفروج وتكلفة الوجبات الجاهزة
تشير بيانات السوق إلى أن أسعار الفروج المشوي والبروستد وسندويشات الشاورما شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الفترة الماضية، تجاوزت في بعض الحالات الزيادة التي طرأت على سعر الفروج كمادة أولية.
ويقول عضو لجنة تربية الدواجن في غرفة زراعة دمشق، مازن مارديني، إن هوامش الربح في قطاع الوجبات الجاهزة أصبحت “غير منطقية”، موضحاً أن أرباح الفروج المشوي والبروستد تتراوح بين 100 و200%، بينما تصل أرباح سندويشة الشاورما إلى نحو 500%، وفق ما نقلته صحيفة “الوطن”.
وبحسب مارديني، تباع وجبة الفروج المشوي في بعض المطاعم الشعبية بأكثر من ألف ليرة سورية جديدة، بينما تتجاوز في المطاعم المصنفة سياحياً 1500 ليرة، وقد تصل إلى 1750 ليرة في بعض المطاعم المعروفة.
وأشار إلى أن تكلفة الوجبة، بما تشمل من خدمات وإضافات، لا تتجاوز نحو 500 ليرة جديدة، ما يعكس اتساع الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي.
أما سندويشة الشاورما، التي تحتوي عادة على أقل من 80 غراماً من اللحم، فتتراوح أسعارها بين 200 و300 ليرة جديدة، في حين لا تتجاوز كلفتها الفعلية نحو 50 ليرة، وفق التقديرات التي أوردها مارديني.
المربي الحلقة الأقل استفادة
رغم الارتفاع الكبير في أسعار الفروج، يشير مارديني إلى أن المربي لا يحصل إلا على هامش ربح محدود مقارنة ببقية حلقات سلسلة الإنتاج.
وأوضح أن المربي يتحمل تكاليف الأعلاف واللقاحات والأدوية والمحروقات ونسب النفوق خلال دورة التربية، بينما لا يتجاوز هامش ربحه نحو 7%.
في المقابل، تصل أرباح المسالخ إلى نحو 20%، فيما تذهب الحصة الأكبر من الأرباح، بحسب تقديراته، إلى الوسطاء ومنافذ البيع والمطاعم.
ويرى مارديني أن ذلك يعكس خللاً في توزيع القيمة المضافة داخل قطاع الدواجن، إذ لا يحصل المنتج الأساسي على العائد الأكبر رغم تحمله الجزء الأكبر من مخاطر الإنتاج.
أسعار مرتفعة وتراجع في الطلب
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار حالة التذبذب في أسعار الدواجن داخل الأسواق السورية.
ووصل سعر كيلو الفروج في بعض المحافظات إلى نحو 420 ليرة سورية جديدة قبل أن يتراجع في بعض المناطق إلى حدود 360 ليرة، فيما تراوح السعر في محافظتي الرقة والسويداء بين 400 و420 ليرة.
كما تجاوز سعر شرحات الدجاج في دمشق 680 ليرة جديدة، وسط استمرار حالة عدم الاستقرار في الأسعار منذ أشهر.
وانعكس هذا الارتفاع على حركة البيع، إذ أكد تجار تراجع الكميات المباعة نتيجة انخفاض القدرة الشرائية للأسر، حيث بات كثير من المستهلكين يشترون كميات أقل أو يكتفون بأجزاء محددة من الدجاج بدلاً من شراء الفروج الكامل.
الأعلاف وسعر الصرف أبرز أسباب ارتفاع الأسعار
ولا يربط الخبير الاقتصادي سليمان العبد الرحمن ارتفاع أسعار الفروج بعامل واحد، بل يعتبره نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والإنتاجية.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الأعلاف يأتي في مقدمة الأسباب، باعتبارها تشكل النسبة الأكبر من تكلفة إنتاج الفروج، إضافة إلى اعتماد السوق المحلية على استيراد جزء كبير من مكوناتها، ما يجعل أسعارها مرتبطة بسعر الصرف وتكاليف الاستيراد.
وأضاف أن تقلبات سعر الصرف تجعل المربين غير قادرين على احتساب تكاليف دورة الإنتاج بدقة، ما دفع عدداً من صغار ومتوسطي المنتجين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق.
وأشار إلى أن انخفاض عدد المنتجين أدى إلى تراجع المعروض في بعض الفترات، الأمر الذي ساهم في ارتفاع الأسعار.
تكاليف الطاقة والنقل تزيد الضغوط
إلى جانب الأعلاف، تواجه مزارع الدواجن ارتفاعاً في تكاليف المحروقات والكهرباء المستخدمة للتدفئة والتهوية، إضافة إلى زيادة تكاليف النقل بين المداجن والمسالخ والأسواق.
وتنعكس هذه التكاليف بشكل مباشر على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، في وقت تشهد فيه السوق ضغوطاً إضافية نتيجة تغيرات متكررة في سياسات الاستيراد، سواء بالسماح أو الإيقاف.
ويرى العبد الرحمن أن هذه التغييرات تزيد حالة عدم اليقين لدى المنتجين، وتؤثر على قراراتهم المتعلقة بتوسيع الإنتاج أو تقليصه.
الفروج يفقد مكانته كخيار غذائي منخفض التكلفة
رغم ارتفاع أسعاره، لا يزال الفروج يمثل المصدر الأساسي للبروتين الحيواني بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، خصوصاً مع ابتعاد اللحوم الحمراء عن قدرة معظم الأسر الشرائية.
لكن استمرار ارتفاع الأسعار غيّر أنماط الاستهلاك، إذ باتت عائلات كثيرة تشتري كميات أقل أو تعتمد على أجزاء محددة من الدجاج، في حين سجلت محال بيع الوجبات الجاهزة تراجعاً في الطلب.
ويصف اقتصاديون هذا الواقع بأنه حالة من الركود التضخمي، حيث ترتفع الأسعار بالتزامن مع تراجع الكميات المباعة.
هل تكفي الإجراءات المؤقتة لمعالجة الأزمة؟
يرى العبد الرحمن أن معالجة أزمة الفروج لا يمكن أن تعتمد فقط على ضبط الأسعار أو التدخل المؤقت عبر الاستيراد، بل تحتاج إلى إجراءات تستهدف أسباب المشكلة الأساسية.
وتشمل هذه الإجراءات، بحسب الخبير، دعم الأعلاف بطريقة تصل إلى المربين الفعليين، وخفض تكاليف الطاقة والنقل، وتحسين سلاسل التوريد، وتشجيع البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك لتقليل حلقات الوساطة.
كما دعا إلى توفير بيانات أكثر دقة حول حجم الإنتاج والاستهلاك، بما يساعد على الحد من المضاربة وزيادة شفافية السوق.
وفي المحصلة، لا تبدو أزمة الفروج في سوريا مرتبطة فقط بارتفاع تكاليف التربية والإنتاج، بل تكشف عن خلل أوسع في آلية تسعير السلع الغذائية وتوزيع الأرباح بين حلقات السوق.
ففي الوقت الذي يواجه فيه المربي ضغوطاً متزايدة على هامش ربحه، ويتحمل المستهلك العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، تبقى التساؤلات قائمة حول الجهات التي تستحوذ على الجزء الأكبر من العوائد في سلسلة تجارة الدواجن.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز