احتجاجات ساحة يوسف العظمة: هل ينقسم الشارع بين “لقمة العيش” و”الاستقرار”؟

شهدت العاصمة السورية دمشق في 17 نيسان/أبريل 2026 حدثاً استثنائياً في ساحة يوسف العظمة (ساحة المحافظة)، حيث خرج مئات السوريين في اعتصام “قانون وكرامة”. هذا التحرك لم يكن مجرد صرخة بوجه الأزمات المعيشية، بل تحول إلى “لحظة مكاشفة” كشفت عن انقسامات اجتماعية وسياسية عميقة داخل قلب العاصمة في مرحلة ما بعد الحرب.

شعار “قانون وكرامة”: إعادة تعريف السياسة من بوابة المعيشة

لم يحمل المحتجون شعارات سياسية تقليدية، بل تركزت مطالبهم على الاحتياجات اليومية الأساسية، مما أعطى التحرك طابعاً مدنياً وعفوياً:

  • “بدنا نعيش”: لخص هذا الهتاف واقع ملايين السوريين الذين يواجهون تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

  • دولة القانون: طالب المعتصمون بإنهاء “المزاجية الإدارية” وتكريس الكرامة كحق يومي لا يقبل التأجيل.

  • الخدمات الأساسية: برزت أزمة الكهرباء والمحروقات كمحرك أساسي للاحتجاج، مما ربط “فاتورة المعيشة” مباشرة بـ “بنية الحكم”.

انقسام الساحة: سردية “المطالب” مقابل سردية “التخوين”

الحدث الأبرز في اعتصام دمشق كان ظهور مظاهرة مضادة داخل الساحة نفسها، مما أدى إلى انقسام المشهد إلى تيارين:

  1. تيار الاحتجاج: يرى أن الضغط الشعبي حق مشروع لتحسين شروط الحياة وضمان المساءلة.

  2. تيار الاستقرار: يتهم المحتجين بـ “التخوين” ويهتف بالولاء المطلق للسلطة، معتبراً أي احتجاج تهديداً للسلم الأهلي وفوضى محتملة.

هذا الصدام “مدني مقابل مدني” يعكس شقوقاً عميقة في النسيج الاجتماعي السوري، حيث يختلف السكان على تعريف “المصلحة العامة” وحدود حرية التعبير.

موقف الحكومة السورية: إدارة أمنية وتوازن حذر

خلافاً للمراحل السابقة في عهد النظام القديم، اتسم سلوك القوى الأمنية في عام 2026 بنوع من “التوازن الحذر”:

  • الفصل لا القمع: اكتفت القوى الأمنية بالفصل بين المتظاهرين والمتظاهرين المضادين لمنع التصادم المباشر.

  • غياب الرد السياسي: لم تصدر الحكومة استجابة للمطالب المعيشية، واكتفت بإدارة اللحظة أمنياً دون الدخول في حوار سياسي معلن.

  • تحدي المرحلة الانتقالية: تواجه الحكومة الحالية (التي تشكلت في آذار 2025) ضغوطاً هائلة لإثبات قدرتها على ترميم الاقتصاد دون المساس بالاستقرار الهش.

سوريا 2026: هل نحن أمام “مجتمعين” في دولة واحدة؟

يطرح ما جرى في دمشق تساؤلاً جوهرياً حول هوية المجتمع السوري اليوم. تشير المعطيات إلى وجود تصورين متناقضين للدولة:

  • الدولة كسلطة: يجب حمايتها من أي اهتزاز لضمان عدم العودة للانهيار.

  • الدولة كعقد اجتماعي: يجب أن تضمن العدالة والعيش الكريم والخدمات لمواطنيها.

وجه المقارنة تيار المطالب المعيشية تيار حماية الاستقرار
الأولوية تحسين الواقع الخدمي والمعيشي منع الفوضى والحفاظ على الأمن
الوسيلة التظاهر والاحتجاج السلمي دعم السلطة ورفض النقد العلني
الشعار “قانون وكرامة” – “بدنا نعيش” “الاستقرار أولاً”

الخلاصة: هل يكفي احتواء اللحظة؟

إن نجاح السلطة في احتواء اعتصام ساحة يوسف العظمة أمنياً لا يعني زوال أسبابه. فالفجوة بين الخطاب الرسمي حول “إعادة بناء الدولة” والواقع الخدمي الهش تزداد اتساعاً.

إن بناء استقرار طويل الأمد في سوريا يتطلب الانتقال من “إدارة الأزمات” إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، يمنح السوريين مساحة حقيقية للتعبير والمشاركة في صنع القرار، ويحول الغضب الشعبي إلى قوة دفع لإصلاح المؤسسات بدلاً من تحوله إلى انقسام اجتماعي متكرر.

إقرأ أيضاً: سوريا بين الانفتاح الخارجي والأزمات الداخلية: نجاحات دبلوماسية وتحديات أمنية واجتماعية متصاعدة

إقرأ أيضاً: فخ العقارات في دمشق.. شبكات تزوير منظمة تسلب الملاك حقوقهم بالقانون

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.