مهجّرو السويداء يلجؤون إلى الأثاث المستعمل لتأثيث منازلهم مع ارتفاع الأسعار
لا تنتهي معاناة العائلات التي عاشت التهجير في السويداء عند العثور على منزل يأويها؛ فاستعادة الحياة اليومية تحتاج إلى ما هو أبعد من أربعة جدران. فرشٌ، وبراد، وغسالة، وأدوات منزلية، تفاصيل تبدو عادية في البيوت المستقرة، لكنها تتحول بالنسبة إلى عائلات اقتُلعَت من أماكنها إلى كلفة جديدة تضاف إلى فاتورة النزوح.
ومع ارتفاع أسعار الأثاث والأجهزة الجديدة وضعف دخول الأسر، أصبح سوق المستعمل منفذاً اضطرارياً، تشتري منه العائلات احتياجاتها قطعة بعد أخرى، وفق ما تسمح به قدرتها المالية، لا وفق ما تحتاجه فعلياً.
بيت يُبنى بالتقسيط
سوزان، ربة منزل وأم لخمسة أولاد، نزحت من الريف الغربي للسويداء، وأقامت بداية لدى أحد أقاربها قبل استئجار منزل والبدء بتأمين احتياجاته تدريجياً.
لم تشترِ الأسرة أثاث المنزل دفعة واحدة. بدأت بالفرش، ثم تمكنت بعد فترة من شراء براد، قبل أن تضيف غسالة بعد أشهر من الاعتماد على الغسيل اليدوي. وبلغ مجموع ما أنفقته نحو 300 دولار، فيما كان سعر البراد الجديد وحده يقترب من 400 دولار في الفترة نفسها.
تقول سوزان إن سوق المستعمل جعل تأمين هذه الاحتياجات ممكناً، بينما كان شراء الجديد خارج قدرتها المالية. وهكذا لم تعد إعادة تأسيس المنزل مشروعاً واحداً، بل سلسلة مشتريات مؤجلة، تحسم كل قطعة فيها وفق ما يتبقى من دخل الأسرة.
المستعمل ليس دائماً الأرخص
تكشف جولة في سوق المفروشات والأدوات المنزلية عن تفاوت واسع في أسعار المستعمل، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود فارق كبير مع الجديد في كل الحالات.
فأربع فرشات مع أربعة مساند عُرضت بنحو 85 دولاراً، بينما يصل السعر إلى نحو 150 دولاراً عند إضافة سجادة وبرداية. وتتراوح أسعار الديوانيات المستعملة بين 100 و150 دولاراً، مقابل أسعار تبدأ من نحو 300 دولار للجديدة، فيما تصل بعض غرف النوم المستعملة الكاملة إلى نحو 500 دولار.
أما السجاد المستعمل فتبدأ أسعاره من نحو ألفي ليرة سورية جديدة، وقد تتجاوز سبعة آلاف، في حين تبدأ أسعار الجديد من نحو 8500 ليرة. وتباع بعض الأسرّة المفردة بأسعار متفاوتة بحسب حالتها، فيما تختلف قيمة الأجهزة الكهربائية تبعاً لعمرها ونوعها وكفاءتها.
ويقول عامر حديفة، صاحب محل للمستعمل، إن أسعار البرادات تبدأ من 10 آلاف ليرة وتصل إلى 25 ألفاً، بينما تتراوح أسعار الغسالات بين 6 آلاف و10 آلاف ليرة. ويشير إلى أن الأجهزة تُجرّب قبل البيع وتفحص فنياً، مع ضمان قصير لبعض القطع.
لكن هذا السوق يحمل مشكلة أخرى؛ فبعض قطع الأثاث المعروضة بسعر مرتفع تجعل الفارق مع الجديد محدوداً، بينما ترتفع الفروقات في قطع أخرى بحسب العمر والحالة وجودة الاستخدام السابق.
حين يتحول السعر المنخفض إلى خسارة
تجربة أم مدين، المقيمة في أحد مراكز الاستضافة، تكشف الجانب الآخر من الصورة. فبعد نحو سبعة أشهر من التهجير، اشترت غسالة مستعملة بـ6 آلاف ليرة، قبل أن تكتشف بعد نقلها أنها لا تعمل على الكهرباء الضعيفة.
أعادت الغسالة واسترجعت ثمنها، ثم ادخرت مبلغاً إضافياً واشترت غسالة جديدة بنظام “الحوضين” بسعر 11 ألف ليرة، لتتجنب تكرار التجربة.
وتوضح هذه الحالة أن انخفاض السعر لا يعني دائماً انخفاض الكلفة الفعلية؛ فتعطل جهاز كهربائي قد يحوّل الصفقة الرخيصة إلى خسارة، خصوصاً في منازل تعاني أصلاً من ضعف الكهرباء ومحدودية الموارد.
غياب المساندة يوسع سوق الاضطرار
وراء هذا المشهد اقتصادياً أكثر قسوة مما تبدو عليه تفاصيله. فالعائلات المهجّرة لا تحاول تحسين مستوى معيشتها بقدر ما تحاول استعادة الحد الأدنى منها، وسط غياب قدرة مالية تسمح بشراء الاحتياجات الأساسية دفعة واحدة.
وفي ظل محدودية الدعم والخدمات المخصصة للأسر التي تحاول إعادة الاستقرار، يصبح سوق المستعمل بديلاً عن منظومة مساندة أوسع كان يفترض أن تساعد العائلات على الانتقال من مرحلة الإيواء المؤقت إلى الاستقرار الفعلي.
لهذا، لا تبدو رحلة تأثيث المنزل مجرد حركة شراء وبيع. إنها محاولة لإعادة ترتيب حياة بعثرتها التهجير، لكن بأدوات شحيحة وميزانيات أضعف، فيما تكتفي الحكومة الانتقالية بترك الأسر تواجه كلفة الاستقرار الجديدة بمواردها المحدودة.
في السويداء، قد يبدأ البيت بفرشة مستعملة، ثم براد، ثم غسالة؛ لا لأن العائلة اختارت هذا المسار، بل لأن قدرتها على استعادة حياتها نفسها أصبحت تُقاس بقطعة الأثاث التي تستطيع دفع ثمنها في كل مرة.
اقرأ أيضاً: امتحانات السويداء تحت وطأة التوتر.. طلاب بين المراكز المغلقة والطرق المقطوعة