أزمة الهوية في سوريا.. وثائق بديلة وفراغ قانوني ينتظر بطاقة شخصية موحدة

بعد أكثر من عقد من الحرب والنزوح وتفكك المؤسسات، يواجه السوريون أزمة متفاقمة في الوثائق الثبوتية، بعدما فقد كثيرون بطاقاتهم الشخصية أو تعذر عليهم تسجيل الوقائع المدنية. ومع توقف إصدار الهويات المركزية نهاية عام 2024، ظهرت وثائق محلية وبدائل مؤقتة في مناطق مختلفة، قبل أن تتوقف أجزاء منها مع إعادة توحيد المؤسسات الإدارية في البلاد.

وتكشف بيانات تقييم الاحتياجات القانونية الصادر عن برنامج المعلومات والاستشارات والمساعدة القانونية (ICLA) حجم المشكلة؛ إذ يعيش 62% من الأسر السورية مع فرد واحد على الأقل يفتقر إلى وثائق مدنية، مقابل 38% فقط لديها وثائق كاملة. وترتفع النسبة بين العائدين، إذ يعاني 80% ممن عادوا إلى سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 من نقص في الوثائق الثبوتية.

البطاقة الشخصية.. وثيقة فقدت دورها المركزي

تُعد البطاقة الشخصية الوثيقة الأساسية لتعريف المواطن السوري وإثبات وجوده القانوني، ويُلزم القانون باستخراجها عند بلوغ سن الخامسة عشرة. كما ترتبط بها قدرة الفرد على ممارسة حقوقه المدنية والاستفادة من الخدمات والمعاملات الرسمية.

لكن سنوات الحرب أحدثت خللاً واسعاً في منظومة التوثيق. فقد فقد سوريون منازلهم وأوراقهم الشخصية، بينما تعذر على آخرين تسجيل الولادات والوفيات والزواج والطلاق وغيرها من الوقائع المدنية بسبب النزوح والتهجير القسري، أو غياب المؤسسات، أو ارتفاع تكاليف التنقل والتسجيل.

وفي الوقت الذي استمرت فيه المؤسسات الموجودة في مناطق سيطرة النظام السابق بإصدار البطاقات الشخصية، لجأت السلطات المحلية في المناطق الخارجة عن سيطرته إلى إصدار وثائق بديلة. وبعد سقوط النظام نهاية عام 2024، توقف إصدار الهويات المركزية، لتدخل البلاد في فراغ وثائقي طال شرائح واسعة من السكان.

الحسكة.. تعدد الفئات والوثائق

تظهر تعقيدات أزمة الوثائق بصورة واضحة في محافظة الحسكة، حيث تتداخل أوضاع قانونية مختلفة.

الفئة الأولى تضم المواطنين السوريين المسجلين في السجلات المدنية والحاملين للجنسية، ولديهم قيود وأرقام وطنية.

أما الفئة الثانية فتشمل «أجانب الحسكة»، وهم أشخاص جُردوا من الجنسية بموجب إحصاء عام 1962، وحملوا البطاقة الحمراء قبل حصولهم على الجنسية عام 2011 بموجب مرسوم رئاسي. وتم تمييز قيودهم بإضافة الرقم (8) بعد رقم القيد أو الخانة.

وتأتي فئة مكتومي القيد في وضع أكثر تعقيداً، إذ لم يكن أفرادها مسجلين في أي سجل رسمي ولم يمتلكوا وثائق صادرة عن الدولة، كما انتقلت هذه الصفة إلى الأبناء عبر الأجيال، إلى أن صدر المرسوم رقم 13 لعام 2026 لمعالجة وضعهم.

وخلال سنوات إدارة المنطقة من جانب الإدارة الذاتية، ظهرت أيضاً وثائق محلية أخرى، بينها بطاقة التعريف المحلية التي تستخدم لإثبات السكن المؤقت، وبطاقة الكفيل التي كانت تُطلب من القادمين من محافظات سورية أخرى لتنظيم الإقامة والتنقل.

وبذلك، لم يعد إثبات الشخصية في الحسكة مرتبطاً بوثيقة وطنية واحدة في جميع الحالات، بل أصبح في بعض الأحيان متوقفاً على طبيعة الوثائق التي يحملها الشخص والجهة التي أصدرتها أو تعترف بها، إلى جانب وضعه الاجتماعي.

إدلب وشمال غرب سوريا.. بدائل محلية بعد توقف الهوية

في إدلب وشمال غرب سوريا، تشكلت خلال سنوات الحرب منظومة أخرى من الوثائق المحلية. وقبل سقوط الأسد، كانت المنطقة موزعة إدارياً بين الحكومة المؤقتة المرتبطة بالائتلاف المعارض، وفصائل «الجيش الوطني» التابع لتركيا، وحكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام.

ومع توقف إصدار البطاقة الشخصية خلال سنوات الحرب، أصدرت الحكومتان بطاقات محلية كان العمل بها يقتصر على المناطق الخاضعة لإدارتهما.

لكن التحولات الإدارية التي أعقبت نهاية عام 2024 أدت إلى توقف العمل بهذه البطاقات خارج نطاق المنطقة، ثم توقف إصدار بطاقات جديدة نتيجة التوحيد الإداري ونقص الإمكانيات وعدم الاعتراف الرسمي بها.

وأمام غياب بطاقة شخصية جديدة، أصبحت وثيقة القيد المدني الوسيلة الرئيسية للتعامل مع المؤسسات. وتحمل هذه الوثيقة الرقم الوطني، وتصدر عن مديرية الشؤون والنفوس المدنية التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة السورية، كما تُقبل في الدوائر والمحاكم والمدارس.

ويقول موظف في محكمة إدلب: «نحو 90% من المراجعين اليوم يحضرون مع إخراج قيد. الهوية القديمة منتهية الصلاحية ولا يوجد تجديد لها. أصبحنا نعتبر القيد المدني هو الوثيقة الأساسية».

خمس وثائق يعتمد عليها سكان إدلب

إلى جانب إخراج القيد، يعتمد سكان إدلب حالياً على مجموعة من الوثائق لإثبات الشخصية وتسيير معاملاتهم.

وتشمل هذه الوثائق بطاقة تعريف محلية تصدرها المجالس المحلية والمخاتير، وتستخدم للتنقل بين القرى والحصول على المساعدات، إضافة إلى هوية حكومة الإنقاذ التي لا تزال سارية داخل إدلب وتسهّل بعض المعاملات.

كما يستخدم السكان بيان الولادة لتسجيل الأطفال وإثبات النسب، ودفتر العائلة الذي توقف تجديده منذ عام 2022 ولا يزال مقبولاً فقط عندما يكون سارياً.

أما جواز السفر، فيبقى الوثيقة الوحيدة التي تتيح السفر خارج سوريا، إلا أن استخراجه داخل إدلب يواجه صعوبات، ما يدفع السكان إلى الاستعانة بسماسرة عبر معبر باب الهوى. وتتراوح كلفة الحصول عليه بين 140 و150 دولاراً، بينما تستغرق العملية بين يوم واحد وأربعة أيام.

62% من الأسر لديها نقص في الوثائق

تؤكد بيانات تقييم الاحتياجات القانونية الصادر عن برنامج ICLA أن أزمة الوثائق ليست محصورة في منطقة بعينها. ووفق التقييم، يعيش 62% من الأسر السورية مع فرد واحد على الأقل يفتقر إلى وثائق مدنية، بينما تملك 38% من الأسر وثائق كاملة.

وتزداد المشكلة وضوحاً لدى العائدين، إذ يعاني 80% ممن عادوا إلى سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 من نقص في الوثائق الثبوتية، الأمر الذي يعرقل قدرتهم على استكمال المعاملات الأساسية.

وتظهر الفوارق بين المحافظات أيضاً في مستويات التوثيق. وسجلت الحسكة وحماة أعلى مستويات الثغرات، تليهما دمشق ودرعا وحمص، وسط عوامل تشمل انهيار السلطة، وعدم اتساق الإجراءات، ومحدودية النطاق الإداري.

ولا يعني وجود مكاتب للسجل المدني تعمل في دمشق وأجزاء من حلب أن الوصول إلى الخدمة مضمون. فوفق المناقشات الواردة في التقييم، قد يبقى الوصول إلى الوثائق صعباً حتى في المناطق التي توجد فيها المؤسسات، نتيجة ضعف البنية الإدارية وتعطل الخدمات.

أخطاء الوثائق تهدد معاملات الزواج والميراث

تتجاوز تداعيات أزمة الوثائق مسألة التعريف الشخصي، لتصل إلى حقوق مدنية ومالية أساسية.

فمعاملات مثل الزواج والطلاق والميراث والبيع والشراء تُنجز حالياً في حالات كثيرة بالاعتماد على وثيقة القيد المدني، ما يجعل أي خطأ في البيانات الواردة فيها قابلاً للتسبب بمشكلات مباشرة في الحقوق والمعاملات.

كما يواجه الأشخاص الذين لا يملكون جوازات سفر صعوبة في مغادرة البلاد، بينما لا تزال الوثائق المحلية التي ظهرت خلال سنوات الحرب تؤدي وظيفة مؤقتة في سد الفراغ، من دون أن تشكل بديلاً مستقراً عن بطاقة هوية وطنية موحدة.

لا موعد محدداً لإصدار البطاقات الجديدة

في الأيام الماضية، انتشرت معلومات تتحدث عن قرب بدء إصدار البطاقات الشخصية الجديدة، إلا أن مدير عام الأحوال المدنية في سوريا، عبد الله عبد الله، نفى وجود موعد محدد لذلك.

وقال عبد الله، في لقاء مع تلفزيون سوريا، إن إطلاق البطاقات الشخصية ودفاتر العائلة الجديدة مرتبط باستكمال متطلبات فنية وإدارية واسعة، تشمل إعادة تأهيل قاعدة بيانات متهالكة وتجهيز 130 مبنى للأحوال المدنية بالمعدات المطلوبة.

وتشمل الخطة أيضاً اعتماد معايير تقنية دولية تعتمد على البصمة والصورة الإلكترونية، إلى جانب تدريب نحو 1500 موظف وصيانة شبكات الاتصال اللازمة لتشغيل المنظومة.

ووفق عبد الله، تعتمد المرحلة الحالية على إخراج القيد الفردي بصفته بديلاً رسمياً عن الهوية الشخصية، وعلى البيان العائلي كبديل عن دفتر العائلة، إلى حين استكمال عملية استبدال الوثائق وتوحيدها في جميع المحافظات.

وأكد أن إصدار البطاقات الجديدة لن يبدأ قبل اكتمال الجاهزية الفنية والإدارية، مع التشديد على أن عملية التوحيد ستشمل المحافظات كافة من دون تمييز.

وبينما تنتظر البلاد استكمال هذه المنظومة، يبقى السوريون في مناطق مختلفة معتمدين على خليط من الوثائق الرسمية القديمة والقيد المدني والوثائق المحلية، في وقت لم تعد فيه البطاقة الشخصية الوطنية تؤدي دورها السابق كوثيقة موحدة لتعريف المواطن وإثبات حقوقه المدنية.

إقرأ أيضاً: أزمة الوثائق في سوريا: تقرير صادم للمجلس النرويجي يكشف حرمان ملايين السوريين من حقوق الهوية والملكية

إقرأ أيضاً: أكراد دمشق بين القومية الكردية والوطنية السورية: هواجس الهوية وحدود المطالبة بالحقوق

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.