وفد وزاري لبناني في دمشق.. النزوح والحدود والتعاون الأمني على جدول البحث
تتجه زيارة وفد حكومي لبناني إلى دمشق إلى بحث مجموعة من الملفات العالقة بين البلدين، في مقدمتها أوضاع السوريين المقيمين في لبنان، وتنظيم العمالة وحركة العبور، إلى جانب التعاون الأمني وضبط الحدود. ويضم الوفد، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، أربعة وزراء، في أوسع تمثيل وزاري لبناني يزور العاصمة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.
وتأتي الزيارة في إطار استكمال الاتصالات بين بيروت ودمشق، مع انتقال العلاقة الثنائية تدريجياً من المشاورات السياسية إلى بحث إجراءات تنفيذية تتوزع على اختصاصات وزارات ومؤسسات حكومية متعددة.
ويشارك في الوفد، إلى جانب متري، وزراء الداخلية والبلديات أحمد الحجار، والعمل محمد حيدر، والتربية ريما كرامي، والشؤون الاجتماعية حنين السيد. ومن المقرر أن تتيح هذه التركيبة عقد لقاءات مع نظرائهم السوريين، لمناقشة الملفات المشتركة من جوانبها الأمنية والإدارية والاجتماعية والقانونية.
تنظيم الوجود السوري في لبنان
قال نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري لـ”المدن” إن الزيارة تأتي استكمالاً لمسار الحوار مع الجانب السوري، بهدف معالجة أوضاع السوريين الموجودين في لبنان، وفق مقاربة تشمل مختلف الجوانب المرتبطة بإقامتهم وعودتهم.
وأوضح أن المحادثات ستتناول أوضاع النازحين الذين عادوا إلى سوريا، والذين ما زالوا في لبنان، إضافة إلى تنظيم العمالة السورية ومعالجة حالات الدخول غير النظامي، ومتابعة قضايا الوثائق الثبوتية والشهادات المدرسية.
كما تشمل المباحثات إحصاء الأشخاص الذين دخلوا الأراضي اللبنانية بصورة غير نظامية، وتنظيم إجراءات الدخول والخروج عبر الحدود، بما يتطلب تنسيقاً بين الجهات المختصة في البلدين.
وأشار متري إلى أن الوفد اللبناني يضم أربعة وزراء إلى جانبه، يقابلهم أربعة وزراء سوريين، الأمر الذي يسمح بتناول القضايا المطروحة وفق الاختصاصات الحكومية المعنية، وتحديد الإجراءات اللازمة لمعالجة الملفات العالقة.
وفي ما يتعلق بتزامن الزيارة مع المفاوضات الإقليمية، أكد متري أن المسار اللبناني السوري منفصل عن تلك المفاوضات، نافياً ما تردد عن طلب سوري سابق بإشراك لبنان فيها أو إطلاعه على تفاصيلها.
ولم يستبعد أن تتطرق اللقاءات إلى التطورات السياسية في المنطقة، لكنه شدد على أن الأولوية تتمثل في معالجة أوضاع السوريين المقيمين في لبنان، وما يرتبط بها من مسائل الإقامة والعمل والوثائق الرسمية وشروط العودة والعبور.
الحدود ومكافحة الجريمة والتطرف
على الصعيد الأمني، قال وزير الداخلية والبلديات اللبناني أحمد الحجار لـ”المدن” إن محادثاته مع نظيره السوري ستتناول الملفات الأمنية المشتركة، إلى جانب تسهيل الإجراءات المتعلقة بحركة الأشخاص والنازحين بين البلدين.
وأضاف الحجار: “سأبحث مع نظيري السوري في الأمور الأمنية المشتركة، بما فيها موضوع الحدود والتنسيق الأمني على أعلى المستويات، ومكافحة المخدرات والجرائم الجنائية وتبادل المعلومات”.
وأشار إلى أهمية التنسيق في مواجهة شبكات التطرف التي تنشط عبر الحدود، بما يستدعي تعاوناً بين الأجهزة الأمنية المختصة.
ويأتي ضبط الحدود في مقدمة الملفات المطروحة، نظراً إلى ارتباطه بتنظيم حركة العبور والعمالة والنازحين، فضلاً عن مكافحة التهريب والجريمة المنظمة. وتتطلب هذه القضايا، وفق طبيعتها، تطوير آليات للتنسيق وتبادل المعلومات، مع مراعاة القوانين والصلاحيات السيادية لكل من لبنان وسوريا.
وتعكس هذه الملفات توجهاً نحو إعادة تنظيم التعاون الأمني بين البلدين عبر المؤسسات المعنية، بدلاً من اقتصاره على الاتصالات المرتبطة بظروف أو أحداث محددة.
ملف عناصر النظام السابق والتسليم القضائي
ومن الملفات الحساسة التي قد تحضر في المحادثات قضية الشخصيات والعناصر المحسوبة على النظام السوري السابق، ولا سيما في ظل مطالبات سورية سابقة بتسليم بعض الموجودين في لبنان.
وقال متري إن الوفد اللبناني لا يعتزم طرح هذا الملف من تلقاء نفسه، لكنه لا يستبعد مناقشته في حال أثاره الجانب السوري.
كما شكك في المعلومات المتداولة عن وجود قوائم بأسماء مطلوبين، موضحاً أن الحديث عن هذه القوائم تكرر من دون أن يتأكد، بحسب معلوماته، وجودها فعلياً. وأضاف أن الطرفين لا يملكان معرفة دقيقة بهويات جميع الأشخاص المحسوبين على النظام السابق، مستبعداً أن يشكل الموجودون منهم في لبنان قوة قادرة على إسقاط السلطة السورية الجديدة.
ويعيد ملف علي كيالي، المعروف باسم معراج أورال، طرح الإشكالات القانونية المرتبطة بالتسليم والملاحقة القضائية. ففي تشرين الأول الماضي، تباينت الروايات بشأن توقيفه ونقله من لبنان إلى سوريا؛ إذ قالت مصادر أمنية لبنانية إن العملية جرت من دون علم السلطات اللبنانية، بينما نفت السفارة السورية في بيروت أي علاقة لها بها.
وتتصل هذه القضية بمسائل تتجاوز هوية الشخص المعني، لتشمل الأصول القانونية للتسليم، والاختصاص القضائي، وضمانات الملاحقة، وهي ملفات تتطلب التعامل معها عبر القنوات الرسمية والقضائية المختصة.
مسار العلاقات منذ سقوط النظام السابق
تأتي الزيارة ضمن سلسلة اتصالات وزيارات متبادلة بين البلدين بدأت بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وهدفت إلى إعادة ترتيب العلاقات الثنائية ومعالجة الملفات التي ظلت عالقة خلال السنوات الماضية.
وفي نيسان 2025، زار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام دمشق والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع. وفي تشرين الأول من العام نفسه، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بيروت، قبل أن يتوجه متري إلى دمشق في تشرين الثاني. كما زار سلام العاصمة السورية مجدداً في أيار 2026 على رأس وفد حكومي، لبحث التعاون الاقتصادي والتجاري والقضايا المشتركة.
وترافقت هذه الاتصالات مع خطوات عملية، من بينها توقيع اتفاق نقل المحكومين السوريين بين البلدين في شباط 2026، إلى جانب استمرار البحث في ملفات الحدود والمفقودين والموقوفين.
وتبرز الزيارة الحالية من خلال اتساع التمثيل الوزاري وتعدد الملفات المطروحة، إذ تتوزع القضايا بين وزارات الداخلية والعمل والتربية والشؤون الاجتماعية، ما يجعل تنفيذ أي تفاهمات مرتبطة بتنسيق إداري وقانوني بين المؤسسات المعنية في البلدين.
ومن بين المشاركين وزير العمل محمد حيدر، المحسوب على الثنائي الشيعي، في وقت لا تزال العلاقات بين القيادة السورية الجديدة و”حزب الله” تشهد توتراً. ونقلت “المدن” عن مصادر في الحزب أن مشاركة حيدر تأتي في إطار اختصاصات وزارة العمل وبصفته عضواً في الحكومة اللبنانية، وليس ممثلاً عن الحزب.
ملفات ثنائية في ظل توترات إقليمية
تنعقد المحادثات في ظل تطورات إقليمية متسارعة، تتصل بالمفاوضات الجارية بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة. ففي حين تواجه دمشق ضغوطاً مرتبطة بمسار مفاوضاتها مع إسرائيل، يتابع لبنان مساره التفاوضي الخاص، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه.
ورغم تقاطع بعض التداعيات الأمنية والسياسية بين البلدين، فإن لكل منهما أولوياته ومساراته في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تفرض القضايا الحدودية والأمنية المشتركة استمرار التنسيق بين بيروت ودمشق.
وتتمثل أبرز الملفات التي يتوقع أن تشغل المحادثات في تنظيم وجود السوريين في لبنان، وتسهيل العودة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب والجريمة، وتبادل المعلومات الأمنية، إلى جانب القضايا الإدارية والقضائية.
وتبقى أهمية الزيارة مرتبطة بما يمكن أن تسفر عنه من خطوات تنفيذية، لا بمجرد اتساع التمثيل الحكومي فيها. فمعالجة الملفات المتراكمة تتطلب اتفاقات واضحة، وتحديداً لمسؤوليات المؤسسات المعنية، وآليات لمتابعة تنفيذ التفاهمات، بما يضمن استمرار التعاون بين البلدين على أساس احترام السيادة والقوانين النافذة.