المخابر البيئية في سوريا تكشف مؤشرات مقلقة للتلوث.. ومصير النتائج بلا إجراءات واضحة
تكشف نتائج المخابر البيئية في سوريا عن مستويات مقلقة من التلوث، في وقت لا تزال فيه المؤسسات المعنية منشغلة بتأهيل أجهزتها وتطوير قدراتها التشغيلية، وسط غياب مؤشرات واضحة على انتقال نتائج الرصد إلى إجراءات ميدانية تحد من مصادر التلوث. وبينما تحتفل وزارة الإدارة المحلية والبيئة باليوم الوطني للبيئة تحت شعار “نستعيد بيئتنا.. ونكمل الحكاية”، تكشف البيانات الرسمية أن استعادة البيئة تحتاج إلى ما هو أبعد من حملات التشجير والنظافة والفعاليات الموسمية.
وبحسب مدير إدارة المخابر في الوزارة أحمد الحلبي، أظهرت نتائج البرنامج الوطني لرصد ملوثات المياه من المصادر غير المضبوطة، حتى نهاية آب 2026، عدم مطابقة 118 سجلاً من أصل 175 سجلاً لمواقع وعينات رصد في عشر محافظات، أي ما يقارب 67%. وهي نسبة تستدعي متابعة جدية، وإن كانت لا تمثل حكماً عاماً على جميع مصادر المياه في البلاد.
تلوث موثق واستجابة غير واضحة
تتولى المخابر البيئية جمع العينات وتحليلها ورصد مؤشرات التلوث، لكن دورها يتوقف عند حدود توفير البيانات والإسناد الفني، فيما تقع مسؤولية المعالجة على الجهات التنفيذية المختصة. وهنا تظهر الفجوة الأهم: ما الإجراءات التي اتُخذت لمعالجة المواقع غير المطابقة؟ وهل أُجبرت الجهات المسؤولة عن مصادر التلوث على تصحيح المخالفات، أم بقيت النتائج محفوظة في قواعد البيانات؟
وفي مجال مراقبة الهواء، نفذت الوزارة قياسات أولية في أربعة مواقع بدمشق وثلاثة مواقع بمحيط مطار دمشق الدولي، أظهرت ارتفاعات تستدعي متابعة مؤشرات الجسيمات العالقة وأول أكسيد الكربون. لكن محدودية المواقع والفترات المقاسة لا تسمح بتعميم النتائج، كما أن القياسات الأولية لا تكفي وحدها لتقدير حجم المشكلة أو تحديد مصادرها بدقة.
شبكة مخابر لم تستكمل جاهزيتها
وتكشف حصيلة العمل المخبري عن تنفيذ 1864 تحليلاً للمياه تضمنت 24745 قياساً لمؤشرات مختلفة، إضافة إلى 1532 قياساً لجودة الهواء. كما شملت أعمال عام 2026 تقييم واقع 14 مخبراً في المحافظات، وجرد تجهيزاتها وتحديد احتياجات الصيانة والتشغيل، وتدريب 50 متدرباً من تسع محافظات.
ورغم انتشار المخابر جغرافياً، يقر الحلبي بتفاوت جاهزيتها وقدراتها التحليلية، ما يعني أن وجودها لا يضمن امتلاكها الإمكانات اللازمة لأداء المهام نفسها. ولا تزال الوزارة تعمل على تأهيلها وتوحيد إجراءاتها وتوفير مستلزماتها، في صورة تعكس تأخر بناء منظومة رقابية قادرة على مواكبة حجم المخاطر البيئية.
خطط تطوير في انتظار التنفيذ
تتضمن خطة الإدارة تحديث التجهيزات وتأمين الكواشف ومواد التحليل، وتطوير أنظمة الجودة وفق المواصفة الدولية ISO/IEC 17025، إلى جانب توسيع برامج رصد المياه والهواء. لكن الوزارة نفسها تقر بأن الوصول إلى الاعتماد المخبري لا يزال هدفاً يحتاج إلى استكمال متطلبات فنية وإدارية.
وفي بلد تتعرض موارده المائية والهوائية لضغوط متزايدة، لا تكفي الخطط المستقبلية ولا أعداد التحاليل لتقديم صورة عن تحسن الواقع البيئي. فالمعيار الحقيقي ليس عدد العينات التي تصل إلى المختبر، وإنما عدد مصادر التلوث التي جرى ضبطها ومعالجتها، ومدى التزام المنشآت والجهات المسؤولة بالمعايير.
وتبقى المفارقة أن الدولة باتت تمتلك بيانات ترصد جانباً من التلوث، لكنها لم تقدم في هذه الحصيلة ما يكفي لإثبات أن الرصد تحول إلى معالجة. أما استعادة البيئة، فلا تبدأ بالشعار ولا تنتهي عند المختبر؛ إنها مسؤولية حكومية تقاس بنتائج ملموسة، لا بوعود تطوير مؤجلة.
اقرأ أيضاً: الحراقات البدائية في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد البيئة والصحة وسط صراع لقمة العيش