مسكنة في ريف حلب.. 70% من البنية التحتية متضررة والخدمات تعرقل عودة السكان
تواجه مدينة مسكنة وريفها الشرقي واقعاً خدمياً يعرقل استقرار نحو 125 ألف نسمة، في منطقة لا تزال تعاني تضرر شبكات المياه والري والصرف الصحي، وغياب الكهرباء عن أحياء واسعة، وتهالك الطرق، ونقص المدارس والمراكز الصحية. وبعد أشهر على استعادة المدينة في كانون الثاني 2026، ما تزال أعمال الإصلاح عاجزة عن مجاراة حجم الاحتياجات، فيما تتوزع التدخلات بين مشاريع إسعافية ومبادرات أهلية ومنظمات، من دون ظهور خطة متكاملة تضمن استعادة الخدمات الأساسية.
ويقدّر رئيس مجلس المدينة عبد القادر الحمدان الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بنحو 60 إلى 70 بالمئة، مشيراً إلى أن نحو 90 بالمئة من السكان يعتمدون على الزراعة. وتضع هذه الأرقام المدينة أمام معادلة قاسية: اقتصاد محلي يحتاج إلى المياه والكهرباء والطرق كي يتعافى، بينما تعجز البنية الخدمية عن توفير الحد الأدنى اللازم لتشغيله.
مياه محدودة وغياب للخدمات الأساسية
تعمل محطات مياه الشرب بنحو 30 بالمئة من طاقتها، وفق الحمدان، وهي نسبة لا تكفي لتلبية احتياجات المدينة وريفها. أما الكهرباء، فتغيب عن أحياء عديدة نتيجة فقدان أجزاء من الشبكات والأعمدة، فيما تعاني الطرق من التهالك والحفر، وتفتقر البلدية إلى المعدات والكوادر اللازمة للنظافة والصيانة.
ولا تقف الأزمة عند حدود الخدمات المنزلية؛ إذ لا يوجد في مسكنة مستشفى عام أو خاص، ويبعد أقرب مستشفى نحو 100 كيلومتر، بحسب رئيس المجلس. كما تعاني المراكز الصحية من نقص الكوادر والأدوية واللقاحات، مع عدم تفعيل عدة مراكز في المنطقة. وفي التعليم، لا تكفي الأبنية المدرسية المتاحة لاستيعاب الاحتياجات، فيما تحتاج مدارس أخرى إلى الترميم.
وتزيد النفايات المتراكمة ومخلفات الحرب والمواد غير المنفجرة من تعقيد الحياة اليومية، بينما أشار الحمدان إلى تسجيل إصابات باللاشمانيا، رابطاً ذلك بتراكم النفايات وضعف خدمات النظافة.
الزراعة تنتظر عودة المياه
تبدو الأزمة أكثر ثقلاً في قطاع الزراعة، الذي يشكل مصدر الدخل الرئيسي للسكان. فمشروع مسكنة شرق يمتد على نحو 18 ألف هكتار مروي، ومشروع منشأة مزارع الدولة على نحو 21 ألف هكتار، لكن الأضرار التي طالت محطات الضخ وقنوات الري أخرجت أجزاء واسعة من المنظومة عن الخدمة.
وتعمل الجهات المعنية على تأهيل محطات البابري ومسكنة غرب ومسكنة شرق، بالتعاون مع منظمات دولية، فيما نفذت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ومنظمة «زوا» مشاريع لصيانة قنوات وبوابات ري وتأهيل أجزاء من شبكات الصرف الزراعي. كما تدرس المؤسسة العامة لإكثار البذار إعادة تشغيل محطة مسكنة البالغة مساحتها 1200 هكتار.
لكن تعدد المشاريع لا يعني أن المنظومة استعادت قدرتها الإنتاجية؛ فالمزارع يحتاج إلى مياه تصل في موعدها، وكهرباء لتشغيل المضخات، ودعم زراعي ومستلزمات إنتاج، لا إلى أعمال صيانة متفرقة تبقى نتائجها محدودة ما لم تكتمل حلقاتها.
مشاريع متفرقة أمام غياب الحل الشامل
نفذ مجلس المدينة إصلاحات شملت محطة الضخ المشتركة، وأجزاء من قنوات الجر، وخط صرف صحي بطول 800 متر، وشبكات مياه في ست قرى، إضافة إلى تأهيل مدخل المدينة. إلا أن رئيس المجلس أقر باستمرار نقص المعدات والكوادر والتمويل.
وتكشف هذه المعطيات فجوة واضحة بين حجم الدمار والقدرة على المعالجة. فإحالة معظم التعثر إلى نقص الإمكانات لا تجيب عن أسئلة ترتيب الأولويات، وتنسيق المشاريع، وتحديد مواعيد إنجازها، وضمان تشغيلها بعد التأهيل. كما أن الاعتماد على المنظمات والمبادرات الأهلية لا يمكن أن يحل محل مسؤولية المؤسسات العامة عن الخدمات الأساسية.
في مسكنة، لا تقاس العودة بعدد المنازل التي استقبلت أصحابها، بل بقدرة هؤلاء على الحصول على مياه آمنة، والوصول إلى مدرسة ومركز صحي، وتشغيل أراضيهم ووسائل إنتاجهم. وحتى يتحقق ذلك، ستظل العودة محفوفة بأعباء معيشية قد تدفع كثيرين إلى تأجيل الاستقرار مجدداً.
اقرأ ايضاً: إنارة الشوارع في حلب.. 76% من الأحياء خارج التغطية ومشاريع التحسين لا تصل إلى الحارات