مزارعو الحسكة ينتظرون مستحقات القمح منذ أشهر.. نقص السيولة يهدد الموسم الزراعي الجديد

يدخل مزارعو الحسكة الموسم الزراعي الجديد وهم يفتقدون العنصر الأكثر إلحاحًا لبدء العمل: السيولة. فبعد أن سلّموا محاصيلهم إلى مراكز الحبوب وانتظروا صرف مستحقاتهم، وجد كثير منهم أنفسهم أمام دفعات مجزأة وتأخير يمتد لشهور، فيما تتراكم الديون وترتفع كلفة المحروقات والأسمدة والآليات والعمال.

المشكلة لم تعد مجرد تأخير مالي في دورة الصرف، بل تحولت إلى عائق مباشر أمام موسم جديد يفترض أن تبدأ تحضيراته في وقت مبكر. وكانت الحكومة قد أعلنت بدء صرف مستحقات القمح في الحسكة في آب، لكن المصرف الزراعي أقر لاحقًا بأن نقص السيولة يبطئ العملية، فيما لم تتجاوز نسبة ما صُرف في أيلول 2% من إجمالي الفواتير المستحقة، بحسب مسؤول في المصرف.

محصول مُسلَّم.. ومال مؤجل

يقول مزارعون إنهم سلّموا محاصيلهم منذ أكثر من شهرين، وبعضهم ينتظر قرابة ثلاثة أشهر من دون الحصول على كامل قيمة الفاتورة. ويشير خلف محمد الخضر، من تل تمر، إلى أن قيمة فاتورته تبلغ نحو 400 مليون ليرة سورية جديدة، لكنه لم يحصل على أي مبلغ منها، فيما يحصل بعض المزارعين على دفعات محدودة لا تتناسب مع حجم التزاماتهم.

وتتخذ المشكلة طابعًا أكثر قسوة مع اقتراب موعد الحراثة وشراء البذار والأسمدة والوقود. فالمزارع الذي ينتظر ثمن محصوله السابق لا يستطيع في الوقت نفسه شراء مستلزمات المحصول الجديد، ما يدفعه إلى الاستدانة أو تقليص المساحات المزروعة.

وتؤكد شكاوى المزارعين أن آلية الدفع بالتقسيط لا تحل المشكلة، لأن الأموال المطلوبة ليست ادخارًا مؤجلًا، بل رأس مال ضروري لدورة إنتاج جديدة. وفي آب، أوضح المصرف الزراعي أن الصرف يتم وفق أقدمية التوريد وقيمة الفواتير وعلى دفعات، بسبب محدودية السيولة.

كلفة الزراعة ترتفع.. وقدرة المزارع تنكمش

يقول فايز حسن، من ريف تل بيدر، إن المزارعين باتوا عاجزين عن تأمين البذار والوقود وتسديد أجور الآليات والعمال، فيما ترتفع تكاليف الإنتاج بصورة تجعل الانتظار أكثر كلفة من مجرد فقدان السيولة.

وتصل أجرة الجرار، وفق إفادات المزارعين، إلى نحو 20 دولارًا للدونم، قبل احتساب بقية النفقات. وفي المقابل، تُدفع قيمة المحاصيل بالليرة السورية، ما يضيف عبئًا آخر على مزارعين يشترون جزءًا من مستلزمات إنتاجهم بأسعار مرتبطة بالدولار.

ويقول حسن: “بعد الآن لن أزرع”، في تعبير يلخص حجم الانسداد الذي يواجهه قطاع يعتمد عليه جزء كبير من سكان المحافظة.

أزمة السيولة تفتح سوقًا للفواتير

الأكثر إثارة للقلق أن التأخير لم يبقَ محصورًا داخل المصرف الزراعي. فقد أفادت مصادر في المصرف بأن تجارًا بدأوا بشراء فواتير القمح من بعض المزارعين مقابل نسب مالية، مستفيدين من بطء الصرف ونقص السيولة.

وهكذا يجد المزارع نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: الانتظار من دون سيولة، أو التنازل عن جزء من مستحقاته للحصول على المال سريعًا.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث الرسمي عن انتظام الصرف أقل ارتباطًا بتجربة المزارعين الفعلية. فقد قالت “سانا” في 6 أيلول إن الصرف مستمر عبر 17 فرعًا، وإن المدفوعات وصلت إلى فواتير المحاصيل المسوقة حتى 17 حزيران، بينما كانت شكاوى التأخير لا تزال قائمة بعد ذلك بأيام وأسابيع.

موسم جديد أمام خطر العزوف

في الحسكة، لا يحتاج المزارع إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى المال الذي كسبه من محصوله وسلّمه بالفعل. وكل يوم يمر من دون تسوية المستحقات يضيّق هامش التحضير للموسم التالي، ويزيد احتمالات الاستدانة وترك الأرض أو تقليص المساحات المزروعة.

ومع وصول الأزمة إلى مرحلة دفعت مزارعين إلى التفكير بالتوقف عن الزراعة، فإن تأخر مستحقات القمح لم يعد مشكلة مصرفية فحسب، بل أصبح اختبارًا لقدرة المؤسسات الزراعية على حماية دورة الإنتاج نفسها. وعندما يعجز المزارع عن تمويل الموسم الجديد بسبب تأخر ثمن الموسم السابق، تصبح كلفة الخلل أكبر من قيمة الفاتورة المؤجلة؛ لأنها تهدد الإنتاج القادم ومصدر رزق الأسر المرتبطة به.

 

اقرأ ايضاً: مستحقات القمح في سوريا تتأخر.. الفلاح يدخل الموسم الجديد بلا ثمن محصوله

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.