مياه الساحل السوري تحت الضغط.. 11 ألف بئر مخالف والوفرة المائية تتراجع

لطالما بدا الساحل السوري خارج حسابات العطش: مطر غزير، ينابيع تنحدر من الجبال، وأنهار وسدود تغذي السهول والقرى. لكن هذه الصورة بدأت تتصدع. ففي وقت ما تزال فيه السماء تمنح المنطقة كميات من الهطول تفوق معظم المحافظات السورية، يتزايد الاعتماد على المياه الجوفية، وتتراجع غزارة بعض الآبار والينابيع، بينما تتسع دائرة الحفر المخالف في غياب إدارة قادرة على ضبط العلاقة بين ما يدخل إلى باطن الأرض وما يُسحب منه.

وفي اللاذقية وحدها، تشير آخر إحصائية رسمية متاحة، تعود إلى عام 2022، إلى نحو 11 ألف بئر غير مرخصة. رقم يكفي وحده للدلالة على حجم الاعتماد غير المنظم على الخزانات الجوفية، وعلى فجوة مزمنة بين واقع الاستهلاك وما تستطيع المؤسسات مراقبته فعلياً.

11 ألف بئر.. والماء خارج الحساب

تقول مديرية الموارد المائية في اللاذقية إن الضابطة المائية تتابع حفر الآبار واستثمارها وتراقب الحفارات والتراخيص، لكن وجود آلاف الآبار خارج منظومة الترخيص يعني أن جزءاً مهماً من عمليات السحب يتم من دون قياس دقيق لكميات المياه المستخرجة أو تقدير واضح لقدرة الأحواض على التعويض.

المشكلة لا تقف عند مخالفة ورقية. فعندما تُحفر الآبار بصورة عشوائية وتصل إلى طبقات جوفية مختلفة، يصبح استنزاف المورد أقل قابلية للضبط، بينما يتحول المزارع تدريجياً إلى الاعتماد على بئر يمكن تشغيلها متى احتاج إليها، ولو كان ثمن ذلك خفض منسوب المياه على المدى البعيد.

أمطار أكثر.. ومياه أقل

المفارقة الأوضح أن الجفاف في الساحل لا يعني بالضرورة غياب المطر. فالمهندس الزراعي مازن عبد العال يربط جانباً من المشكلة بتغير نمط الهطولات؛ أمطار كثيفة تسقط خلال فترات قصيرة، فتزداد سرعة الجريان السطحي، وتتحرك كميات كبيرة من المياه عبر الأودية والأنهار نحو البحر قبل أن يتاح للتربة امتصاصها تدريجياً.

وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة التبخر، فتتقلص الكمية التي تبقى في التربة أو تتسرب إلى الطبقات الجوفية. وبذلك يمكن لموسم مطري أن يبدو جيداً على الورق، من دون أن يعني بالضرورة تعافياً موازياً في الخزان الجوفي.

وهنا تحديداً تتبدل معادلة الساحل: القضية ليست كم من المطر هطل، بل كم بقي منه داخل المنظومة المائية بعد انتهاء العاصفة.

الزراعة تسحب أكثر

تزامن ذلك مع توسع الزراعات المروية، ولا سيما الخضار والبيوت البلاستيكية، إلى جانب استمرار الزراعات التقليدية. وكلما ارتفع الطلب على المياه خلال أشهر الصيف، ازداد الاعتماد على الآبار باعتبارها المصدر الأكثر مرونة وسرعة.

ويقول مزارعون إن بعض الآبار باتت تحتاج إلى تشغيل المضخات لفترات أطول للحصول على الكمية نفسها، فيما اضطر بعض أصحابها إلى تعميقها بعد تراجع مستوى المياه. والنتيجة مزدوجة: ضغط إضافي على الخزان الجوفي، وكلفة أعلى على المزارع نتيجة استهلاك الطاقة والصيانة.

ولا تبدو المسألة مرتبطة بمحصول بعينه، بقدر ما تعكس غياب معادلة زراعية تربط حجم الإنتاج بما تستطيع المنطقة توفيره من المياه.

حين تتراجع الينابيع يظهر ما يحدث تحت الأرض

في القرى الجبلية، يلحظ سكان أيضاً انخفاض غزارة بعض الينابيع. وبحسب أيهم يونس، من ريف جبلة، شهدت بعض الينابيع تراجعاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد مواسم الجفاف المتتالية.

ويعكس تراجع النبع، في كثير من الحالات، تغيراً في كمية المياه التي تتحرك داخل الحوض الجوفي، لأن النبع يمثل في النهاية مخرجاً طبيعياً للمياه المخزنة في باطن الأرض.

وبذلك، لا تبقى أزمة المياه محصورة في الآبار التي لا يراها أحد؛ تبدأ آثارها بالظهور على السطح عندما تخفت ينابيع كانت جزءاً من دورة الحياة اليومية.

اللاذقية وطرطوس.. موارد كثيرة وإدارة مشتتة

تختلف مصادر المياه بين اللاذقية وطرطوس، لكن الضغوط تتشابه: تغير الهطولات، ارتفاع الطلب الزراعي، الضغط على المياه الجوفية، وتهالك بعض شبكات الري وما يرافقه من فاقد.

ويبرز هنا قصور إداري أكثر منه نقصاً مطلقاً في الموارد. فالساحل يمتلك أنهاراً وسدوداً وينابيع ومياه جوفية، لكن الاستفادة منها لا تزال موزعة بين مصادر متعددة من دون منظومة متكاملة تحسن التخزين والنقل وتخفف الضغط عن الأحواض الجوفية.

الحلول البديلة لا تعفي من وقف النزيف

تتحدث الجهات المعنية عن خيارات مثل تحلية مياه البحر والاستفادة من المياه المعالجة في الري، إلى جانب ترشيد الاستهلاك وتحسين وسائل الري.

لكن هذه الإجراءات تبقى محدودة الأثر ما لم تترافق مع ضبط الحفر المخالف، وحصر الآبار وقياس معدلات السحب منها، وربط التوسع الزراعي بقدرة كل حوض مائي على التجدد.

وهنا تظهر مسؤولية الحكومة الانتقالية بوضوح. فإدارة المياه لا يمكن أن تقتصر على التعامل مع النقص بعد وقوعه أو البحث عن مصدر جديد كلما انخفض منسوب مصدر قديم. المطلوب هو إدارة المورد قبل استنزافه، ووضع قواعد يعرفها المزارع وتستطيع المؤسسات تطبيقها ومراقبتها.

الساحل الذي كان يهرب من العطش

يكشف واقع الساحل أن وفرة المطر لا تعني بالضرورة وفرة الماء، وأن المنطقة التي بدت طويلاً أكثر أماناً مائياً ليست بمنأى عن الأزمة السورية الأوسع.

11 ألف بئر غير مرخصة في اللاذقية، مؤشرات على تراجع إنتاجية بعض الآبار، وشكاوى من انخفاض غزارة ينابيع، كلها إشارات إلى أن الخزان الجوفي لم يعد مساحة مفتوحة للسحب بلا حساب.

وفي الوقت الذي تتغير فيه طبيعة الهطولات ويزداد الطلب على الري، يبدو أن الحكومة الانتقالية ما تزال تتحرك بين حلول إسعافية وأفكار مستقبلية، بينما يتطلب الملف قراراً أكثر قسوة ووضوحاً: وقف الاستنزاف أولاً، ثم بناء سياسة مائية تعرف بالضبط كم تملك سوريا من الماء، وكم تستطيع أن تستخدم منه، وكم ستبقي للأعوام المقبلة.

فالساحل قد يبقى أكثر مناطق سوريا مطراً، لكن ذلك لن ينقذه وحده إذا استمر الماء في الهطول نحو البحر، واستمرت الآبار في سحب ما تبقى تحت الأرض.

 

اقرأ أيضاً: مياه حمص تحت ضغط الجفاف.. منسوب عين التنور يهبط والمصادر البديلة لا تكفيتعيين الصورة البارزة للمقالة

اقرأ أيضاً: آبار درعا المخالفة.. مهلة جديدة لتسوية الأوضاع وسط استنزاف المياه الجوفية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.