آبار درعا المخالفة.. مهلة جديدة لتسوية الأوضاع وسط استنزاف المياه الجوفية
تدخل محافظة درعا مرحلة جديدة في ملف الآبار المخالفة، بعدما أصدرت قراراً بإحصائها وتوثيقها ومنح أصحابها مهلة لتسوية أوضاعهم قبل البدء بتشميعها. القرار يأتي بينما لم تعد أزمة المياه في المحافظة مجرد تراجع موسمي في الضخ، بل تحولت إلى استنزاف متواصل للمياه الجوفية، في ظل آلاف الآبار التي تعمل خارج الإطار القانوني.
وبحسب آخر إعلان رسمي، شُكلت لجان لحصر الآبار المخالفة، على أن تنتهي أعمالها في موعد أقصاه 15 أيلول، فيما تبدأ إجراءات التشميع في 16 أيلول 2026. كما ألزمت المحافظة مديرية الموارد المائية بتطبيق القوانين بحق حفارات الآبار وتفعيل نظام “أمر الحركة”.
20 ألف بئر أمام مهلة أخيرة
لا يأتي القرار في فراغ. فقد قدّرت مديرية الموارد المائية في درعا سابقاً عدد الآبار المخالفة بنحو 20 ألف بئر، مقابل نحو 4500 بئر مرخص، فيما تجاوز عمق الحفر في بعض المناطق 500 متر، بالتزامن مع تراجع غزارة عدد من المصادر والآبار ومحطات الضخ.
وبموجب التعميم، يستطيع أصحاب الآبار غير المرخصة التصريح عنها خطياً خلال المهلة المحددة، مع السماح لهم بالانتفاع من تجهيزاتها قبل التشميع. وبعد انتهاء المهلة، تنتقل المخالفات إلى المسار القضائي، مع مصادرة المعدات وتشميع الآبار.
أما الآبار المحفورة داخل مناطق الإرواء، فستواجه التشميع، في خطوة تستهدف وقف الاستنزاف في المناطق التي تعتمد عليها شبكات مياه الشرب.
التعديات تطاول مياه الشرب أيضاً
لم يحصر التعميم المشكلة بالآبار الجوفية، بل منح المتعدين على شبكات مياه الشرب مهلة حتى 3 أيلول لإزالة تعدياتهم والتصريح عنها، تحت طائلة إحالتهم إلى القضاء.
وفي الوقت نفسه، اتجهت المحافظة إلى استثناء الآبار المستخدمة كمناهِل للمواطنين مؤقتاً، ووضعها تحت إدارة مؤسسة مياه الشرب، مع تركيب عدادات لقياس الكميات المسحوبة، وإمكانية ربط بعضها بالشبكات العامة عند الحاجة.
هذه الاستثناءات تكشف مفارقة الأزمة نفسها: بعض المصادر المخالفة باتت جزءاً من الحل الإسعافي لأزمة صنعتها في جانب منها عمليات الحفر العشوائي.
إجراءات بدأت متأخرة
خلال الأشهر الماضية، صادرت مديرية الموارد المائية عشرات الحفارات المخالفة، وواصلت ردم آبار غير مرخصة، بينما بدأت الشركة العامة لمياه الشرب بتوجيه إنذارات لأصحاب الآبار في حوض اليرموك لإزالة تجهيزاتهم، بهدف حماية الينابيع ومصادر مياه الشرب.
كما بدأت المحافظة أخيراً بالاستفادة من بعض الآبار المخالفة القريبة من محطات الإرواء بعد إخضاعها للتقييم الفني والقانوني وربط القابل منها بالشبكة، خصوصاً في ريف درعا الشرقي.
لكن تسلسل هذه الإجراءات يفضح مشكلة أكبر من المخالفة نفسها: الدولة تتحرك اليوم لإدارة نتائج سنوات من الحفر والاستنزاف، بعد أن أصبحت الموارد أضعف والمصادر أقل قدرة على تلبية الطلب.
اختبار حقيقي للحكومة الانتقالية
تضع المحافظة الآن مهلة واضحة، لكن نجاحها لن يقاس بعدد الآبار التي ستُشمع، بل بقدرتها على وقف الحفر الجديد، وضبط الحفارات، ومراقبة الاستجرار، وحماية الأحواض الجوفية، وفرض القانون على المخالفات الكبيرة قبل الصغيرة.
وقد عقد محافظ درعا في 24 آب اجتماعاً خصص لمناقشة تراجع غزارات المصادر والآبار والإجراءات اللازمة للحد من المخالفات والتعديات على شبكات المياه.
غير أن حماية المياه لا تحتمل سياسة رد الفعل. فالماء الذي يُستنزف اليوم لا يمكن استعادته بقرار إداري غداً، وتشميع آلاف الآبار بعد وصول الأزمة إلى هذا الحجم لن يعيد ما فقده الحوض الجوفي.
لذلك تواجه الحكومة الانتقالية اختباراً يتجاوز تنفيذ تعميم جديد: هل تستطيع تحويل ملف المياه في درعا من حملات متقطعة وملاحقات بعد وقوع المخالفة إلى سياسة دائمة تمنع الاستنزاف قبل أن يتحول شح المياه إلى أزمة لا يمكن احتواؤها؟
في درعا، القضية لم تعد كم بئراً سيُغلق، بل كم عاماً بقي أمام المحافظة قبل أن تصبح المياه الجوفية نفسها هي المخالفة التي لا يمكن إصلاحها.
اقرأ أيضاً: آلاف الآبار تهدد مياه درعا.. إنذار حكومي متأخر أمام استنزاف حوض اليرموك