حقول واسعة ومعامل غائبة.. لماذا لا تستفيد الرقة من إنتاجها الزراعي؟

على مساحة واسعة من الأراضي الزراعية في ريف الرقة الشرقي، ينتظر أحمد العساف موسم قطاف القطن، من دون أن يملك إجابة واضحة عن سؤال أساسي يرافقه منذ بداية الموسم: هل سيتمكن المحصول من تغطية تكاليف زراعته؟

يقول العساف، من قرية حمرا غنام، إن عائلته اعتادت زراعة القطن منذ عقود، لكنه اكتفى هذا العام بزراعة هكتار واحد فقط، بعدما تراجعت الجدوى الاقتصادية للمحصول نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الأسعار، إلى جانب غياب معامل قادرة على تصنيع القطن داخل المحافظة.

ولا تبدو مشكلة العساف مرتبطة بمحصول واحد، إذ تعكس واقعاً أوسع يواجه القطاع الزراعي في الرقة. فالمحافظة التي تنتج القمح والقطن والذرة والخضراوات ومحاصيل أخرى، لا تزال تفتقر إلى قطاع صناعي قادر على استيعاب جزء كبير من هذا الإنتاج وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

وتعد الرقة من أبرز المحافظات الزراعية في سوريا، مستفيدة من الأراضي المروية وموقعها على نهر الفرات، لكن قسماً كبيراً من إنتاجها يغادرها بوصفه مواد خام، ما يحرم المحافظة من عائدات التصنيع وفرص العمل والأنشطة المرتبطة بالنقل والتخزين والتسويق.

القطن.. إنتاج محلي وتصنيع خارج المحافظة

يقدّر العساف، تكلفة زراعة الدونم الواحد من القطن بنحو 190 دولاراً، بينما يتراوح الإنتاج المتوقع بين 300 و800 كيلوغرام للدونم، بحسب جودة الأرض ومستوى الخدمة الزراعية.

ويقول إن السعر المحدد لشراء المحصول، والبالغ نحو 8.5 ملايين ليرة سورية قديمة، لا يوفر للمزارعين مردوداً مناسباً مقارنة بما ينفقونه على الزراعة.

ويزيد اعتماد تكاليف مستلزمات الإنتاج على الدولار، في مقابل بيع المحصول بالليرة السورية، من صعوبة تحقيق هامش ربح مناسب، وفق العساف.

ويُسوّق القطن عبر مؤسسة الأقطان، بينما يخرج معظم الإنتاج من الرقة بسبب عدم وجود معامل قادرة على استيعابه وتصنيعه داخل المحافظة.

ولا تضم الرقة معامل متكاملة لتحويل القطن إلى خيوط أو أقمشة ومنتجات نسيجية أخرى، ما يجعل دورها يتركز، وفق وصف العساف، على إنتاج المادة الخام وتسويقها أكثر من تصنيعها.

ويرى العساف أن دعم زراعة القطن يحتاج إلى توفير بذور وأسمدة ذات جودة، ووضع سعر مناسب للمحصول، إلى جانب إنشاء معامل للغزل والنسيج. ويعتقد أن هذه الخطوات من شأنها تشجيع المزارعين على العودة إلى زراعة القطن، وخلق فرص عمل للسكان، والحد من البطالة.

أكثر من 200 ألف هكتار مروي

تمتد الأراضي الزراعية المروية في محافظة الرقة على أكثر من 200 ألف هكتار، ويعتمد نحو نصفها على مشاريع الري التي تنقل مياه نهر الفرات إلى الحقول عبر قنوات إسمنتية.

أما النصف الآخر، فيعتمد على الآبار الارتوازية، باستخدام محركات الديزل أو الغطاسات الكهربائية لاستخراج المياه الجوفية.

وتحتل الرقة مراتب متقدمة بين المحافظات السورية في إنتاج القمح والقطن والذرة، لكن معظم هذه المحاصيل ينقل إلى خارج المحافظة في ظل محدودية الصناعات المحلية القادرة على تحويلها إلى منتجات مصنعة.

وتظهر إحصاءات وزارة الزراعة السورية لعام 2011 حجم الإنتاج الذي كانت تحققه المحافظة؛ إذ بلغ إنتاج القمح نحو 607 آلاف طن من مساحة مزروعة وصلت إلى 161 ألفاً و303 هكتارات.

كما بلغ إنتاج الذرة الصفراء نحو 150 ألف طن من مساحة قاربت 21 ألفاً و694 هكتاراً، بينما وصل متوسط إنتاج القطن إلى نحو 620 كيلوغراماً للدونم.

الشوندر السكري.. محصول فقد معملاً

لم تكن الرقة تعتمد فقط على القمح والقطن والذرة، إذ اشتهرت أيضاً بزراعة الشوندر السكري، وكانت تحتل المرتبة الأولى في إنتاجه.

وساعد معمل السكر، الواقع على بعد كيلومترات قليلة من مركز المدينة، على توسيع المساحات المزروعة بالشوندر وتحويل المحصول محلياً إلى السكر الخام، قبل أن يخرج المعمل عن الخدمة عام 2013.

كما تنتشر في المحافظة زراعة الخضروات والأشجار المثمرة، خصوصاً في المناطق القريبة من ضفتي نهر الفرات، وهو ما يتيح فرصاً لإقامة منشآت للتعليب والتجفيف والتبريد، إلى جانب الصناعات القائمة على الحبوب والقطن والذرة.

مشكلات تبدأ من التربة ولا تنتهي عند التسويق

شهد القطاع الزراعي في الرقة تراجعاً خلال العقد الماضي بفعل مجموعة من العوامل، بينها ضعف التسويق، وتراجع أسعار المحاصيل مقارنة بتكاليف إنتاجها، وتعطل أجزاء من مشاريع الري، وغياب الخطط الداعمة للقطاع.

ويضع المهندس الزراعي هاني السلطان تملح التربة وضعف شبكات الري والصرف في مقدمة التحديات التي تواجه الزراعة في المحافظة، إلى جانب ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وصعوبات التسويق وغياب الصناعات التحويلية المرتبطة بالمحاصيل.

ويقول السلطان، في حديث إلى موقع تلفزيون سوريا، إن تملح التربة يمثل أحد أخطر التحديات في منطقة حوض الفرات، نتيجة ارتفاع مستوى المياه الجوفية وتعطل شبكات الصرف واستخدام مياه مالحة في بعض المناطق، ما يؤدي إلى انخفاض إنتاجية الأراضي وخروج مساحات منها من الخدمة.

ويشير أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة والبذار والأدوية الزراعية، إلى جانب تفاوت جودتها وضعف الرقابة عليها، يزيد من الأعباء التي يتحملها المزارعون.

ويضاف إلى ذلك نقص منشآت التخزين والتجفيف والتبريد، الأمر الذي يصعّب تسويق عدد من المحاصيل.

مواد أولية متوفرة.. وصناعات تحويلية محدودة

يرى السلطان أن الرقة تمتلك مقومات تسمح بإقامة صناعات تعتمد على منتجاتها الزراعية، خصوصاً القمح والقطن والذرة الصفراء والخضراوات والأشجار المثمرة.

لكن غياب البنية التحتية للصناعات التحويلية وضعف البيئة الاستثمارية يدفعان جزءاً كبيراً من الإنتاج إلى مغادرة المحافظة في صورته الخام.

ويؤكد السلطان عدم وجود معامل كافية لتصنيع الخضراوات وحفظها، أو منشآت تبريد قادرة على استيعاب المنتجات الزراعية والحيوانية، فضلاً عن محدودية الاستثمارات في الصناعات القائمة على القمح والعنب والزيتون وغيرها من المنتجات المحلية.

ويدعو إلى إنشاء مدينة صناعية متكاملة تضم معامل ومرافق وخدمات مخصصة للصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة، إلى جانب توفير قروض ميسرة للمزارعين ومعالجة مشكلات السيولة والمستحقات المتأخرة.

كما يقترح تنظيم منتدى أو معرض استثماري للتعريف بالتنوع الزراعي والفرص المتاحة في الرقة، مشيراً إلى أن المحافظة تمتلك مقومات يمكن أن تجذب المستثمرين، بينها وفرة المواد الأولية وانخفاض تكاليف اليد العاملة والعقارات مقارنة ببعض المحافظات السورية.

لكن هذه المزايا، بحسب السلطان، تحتاج إلى الترويج لها وتهيئة بيئة استثمارية مناسبة.

القمح يتصدر.. والقطن والذرة يتراجعان

يحتل القمح المرتبة الأولى من حيث المساحة المزروعة في الرقة، التي تعد من أبرز المحافظات السورية في إنتاج المحاصيل الحقلية.

ويقول معاون مدير الزراعة في الرقة، حمد البكار، إن مساحة الأراضي المزروعة بالقمح ضمن الأراضي المروية تبلغ نحو 154 ألف هكتار، إضافة إلى 65 ألف هكتار للزراعة البعلية.

وتزرع المحافظة كذلك الشعير والفول والبقوليات، فيما يشمل الموسم الزراعي الصيفي محاصيل عدة، أبرزها القطن والذرة الصفراء والخضراوات.

وبحسب البكار، كانت الرقة تنتج سابقاً نحو 100 ألف طن من القطن، لكن هذه الكمية تراجعت خلال السنوات الماضية مع عزوف عدد من المزارعين عن زراعته بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الجدوى الاقتصادية للمحصول.

أما الذرة الصفراء، فكانت من المحاصيل الصيفية المهمة أيضاً، ووصل إنتاجها خلال فترات سابقة إلى نحو 120 ألف طن، قبل أن تتراجع المساحات المزروعة بها بصورة كبيرة، ما انعكس على الإنتاج وتوافر المادة الأولية اللازمة للصناعات المرتبطة بها.

ويرى البكار أن تنوع المحاصيل واتساع المساحات الزراعية يوفران قاعدة مناسبة لتطوير الصناعات التحويلية، ومنها معامل طحن الحبوب وصناعة الزيوت والأعلاف، إضافة إلى صناعات الغزل والنسيج وغيرها من الصناعات المرتبطة بالقطن والذرة.

ورش صغيرة أمام إنتاج كبير

توجد في الرقة ورش صغيرة مرتبطة جزئياً بالقطاع الزراعي، بينها محالج القطن وورش هرس البندورة وتصنيع المؤونة، إلا أن إمكاناتها الإنتاجية لا تتناسب مع حجم الإنتاج الزراعي في المحافظة.

ويقول عبد الكريم المرعي، صاحب محلجة قطن في الرقة، إن الصناعات المرتبطة بالزراعة تواجه صعوبات تحد من توسعها وقدرتها على استيعاب الإنتاج المحلي، في مقدمتها أزمة الكهرباء وغياب الدعم الحكومي الكافي للمنشآت الصناعية.

ويوضح المرعي، في حديث إلى موقع تلفزيون سوريا، أن انقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف تأمين مصادر بديلة للطاقة يزيدان تكاليف تشغيل المعامل ويؤثران في قدرتها على العمل بصورة مستقرة.

كما يشكل ضعف الإمكانات الاستثمارية عائقاً أمام إنشاء معامل كبيرة، إذ لا يمتلك معظم المستثمرين القدرة المالية اللازمة لإقامة منشآت قادرة على تحويل كميات واسعة من المحاصيل الزراعية إلى منتجات مصنعة، وفق المرعي.

ويعتقد أن معالجة هذه المشكلات تتطلب توفير الكهرباء بصورة مستقرة، وتقديم دعم أكبر للقطاع الصناعي، وتشجيع الاستثمارات وتسهيل إقامة معامل جديدة.

ومن شأن تحويل المحاصيل إلى منتجات مصنعة، بحسب الطرح الوارد في المادة، رفع قيمتها الاقتصادية وتوفير فرص عمل جديدة، إلى جانب تنشيط قطاعات النقل والتخزين والتسويق والخدمات المرتبطة بها.

تحركات لإنشاء مدينة صناعية

في 26 آب/أغسطس 2026، أعلنت وزارة الاقتصاد السورية أن مدير المدن الصناعية أحمد كردي أجرى جولة ميدانية في محافظة الرقة برفقة المحافظ عبد الرحمن السلامة، للاطلاع على عدد من المواقع المقترحة ودراسة مدى ملاءمتها لإنشاء مدينة صناعية جديدة.

وقالت الوزارة إن الجولة تناولت المقومات الفنية والجغرافية للمواقع، واحتياجات المشروع من البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يتناسب مع متطلبات إقامة تجمع صناعي متكامل قادر على استقطاب الاستثمارات وتوفير بيئة مناسبة للمنشآت الصناعية.

وفي السياق ذاته، كشف مدير فرع هيئة الاستثمار السورية في الرقة، المهندس باسل حموية، عن استعداد الهيئة لتوقيع عقدين استثماريين في المحافظة بقيمة إجمالية تقدر بنحو 210 ملايين دولار.

ويتمثل المشروع الأول باستثمار نادي الفروسية الواقع على الأطراف الغربية لمدينة الرقة بقيمة عشرة ملايين دولار، بينما يخصص المشروع الثاني لإنشاء منطقة صناعية حرفية باستثمار يصل إلى 200 مليون دولار.

كما أعلن حموية تخصيص جناح لمحافظة الرقة ضمن معرض دمشق الدولي، إلى جانب العمل على إطلاق منصة إلكترونية متخصصة لعرض الفرص والمشروعات الاستثمارية في المحافظة، على أن تكون متاحة عبر تطبيق للهواتف المحمولة.

وأشار إلى توقيع مذكرة تفاهم خلال معرض «بيلدكس» لإنشاء منطقة صناعية حرفية، موضحاً أن العمل يتجه حالياً نحو توقيع العقد بعد استكمال الترتيبات اللازمة، ليصبح العقد ملزماً، على أن يجري تسليم المشروع على مراحل.

استثمار زراعي على مساحة 25 ألف هكتار

وأشار حموية إلى أن الاستثمار في القطاع الزراعي في الرقة يواجه مشكلات عدة، من بينها قضايا الاستملاك وأراضي الدولة.

وأوضح أن هيئة الاستثمار لم تتمكن حتى الآن من إحصاء الأراضي المتاحة بصورة تتيح إعداد خطط وعروض مناسبة للمستثمرين.

وبحسب حموية، قدمت مديرية الزراعة أرضاً بمساحة 25 ألف هكتار في منطقة الرصافة، وعُرضت على شركة أجنبية متخصصة في الاستثمار الزراعي، ضمن مشروع يهدف إلى استثمار الأراضي والحد من التصحر.

وتبقى المشكلة الأساسية أمام القطاع الزراعي في الرقة مرتبطة بضعف القدرة على تحويل الإنتاج إلى نشاط صناعي داخل المحافظة، في ظل تحديات الكهرباء والتمويل والبنية التحتية والتخزين والتصنيع.

وبينما تتوافر مساحات واسعة من الأراضي ومحاصيل متنوعة، لا تزال نسبة كبيرة من الإنتاج تغادر الرقة كمواد خام، في وقت تطرح فيه الجهات المعنية مشروعات لإنشاء مدينة صناعية ومناطق حرفية واستقطاب استثمارات جديدة.

ويبقى انتقال هذه الخطط من الاتفاقات والمقترحات إلى معامل ومنشآت قادرة على استيعاب الإنتاج الزراعي المحلي هو العامل الحاسم في استفادة الرقة من محاصيلها خارج حدود الحقل.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.