دمشق: منتديات وأسئلة مفتوحة حول الدولة والمجتمع في سوريا

في دمشق، بدأت السياسة تظهر مجدداً في مساحات طالما ابتعدت عنها لعقود. لقاءات وندوات ينظمها مثقفون وكتاب وصحفيون ومهتمون بالشأن العام تفتح نقاشات حول شكل الدولة، والمواطنة، والأحزاب، والدستور، والعدالة الانتقالية، والعلاقة بين السلطة والمجتمع. ولا تبدو هذه النقاشات مجرد نشاط ثقافي عابر، إذ تأتي في مرحلة تحاول فيها سوريا إعادة تشكيل المجال العام بعد سنوات طويلة كانت فيها السياسة محكومة إلى حد كبير بمنطق السلطة ومؤسساتها.

في المقاهي والبيوت والصالونات الثقافية، يجد السوريون مساحة لطرح أسئلة لم يكن من السهل تداولها علناً في السابق. المسألة ليست في اكتشاف السياسة من جديد، بقدر ما تتعلق باستعادة مساحة للنقاش العام بعد سنوات من الخوف والقيود. وفي دمشق تحديداً، تبدو هذه الظاهرة ذات دلالة إضافية، باعتبار أن المدينة كانت لعقود مركزاً لإنتاج الخطاب الرسمي، فيما تحاول اليوم أن تصبح مكاناً لإنتاج النقاش حول مستقبل البلاد، لا مجرد استقبال القرارات.

لكن عودة النقاش لا تعني بالضرورة أن الحياة السياسية عادت بالفعل. فما يجري يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف يمكن لمجتمع ابتعد طويلاً عن الممارسة السياسية الطبيعية أن يستعيد علاقته بها، وأن يحول النقاش من نشاط محدود إلى ممارسة عامة ومؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف؟

من «ربيع دمشق» إلى منتديات ما بعد الأسد

لا تبدأ محاولات فتح المجال السياسي في دمشق اليوم من نقطة الصفر. فمنذ بدايات الألفية، شكلت صالونات «ربيع دمشق» واحدة من أبرز المحاولات لكسر العزلة السياسية، قبل أن تغلق أبوابها تدريجياً. لذلك فإن ظهور منتديات جديدة يحمل معه ذاكرة تلك التجارب، لكنه يحدث في ظروف مختلفة تماماً.

الأسئلة المطروحة اليوم أكثر ارتباطاً بمستقبل بلد مرّ بانهيار شامل، ولم تعد تقتصر على إصلاح نظام سياسي قائم. فالسوريون يناقشون شكل الدولة نفسها، وكيفية بناء علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسات، وما إذا كان ممكناً تأسيس حياة حزبية حقيقية، إلى جانب قضايا الدستور والعدالة الانتقالية وحدود السلطة.

ضمن هذا السياق، ظهر «منتدى سلامة كيلة» في دمشق، حاملاً اسم الكاتب والمفكر السوري الراحل. ولا تقتصر دلالة المنتدى على إقامة لقاءات ثقافية أو سياسية، بل ترتبط بمحاولة أوسع لإعادة فتح المجال العام أمام النقاش.

ويحمل اختيار اسم سلامة كيلة دلالة فكرية وسياسية خاصة. فقد ارتبط اسمه بالكتابة اليسارية وبمعالجة قضايا الحرية والعدالة والدولة ودور المواطن، كما كان جزءاً من تقليد فكري حاول ربط السياسة بالأسئلة الاجتماعية الكبرى. ومن ثم، فإن استعادة اسمه في مساحة للحوار تبدو، في سياق المادة، محاولة لربط حاضر سياسي جديد بذاكرة فكرية انقطعت بفعل سنوات القمع والانقسام.

أسئلة مؤجلة أكثر من كونها إجابات جاهزة

تكشف النقاشات التي تدور في هذه المساحات عن حجم الأسئلة التي ظلت مؤجلة. كيف يمكن بناء دولة بعد عقود من الدولة الأمنية؟ وهل يستطيع المجتمع تأسيس أحزاب فاعلة بعدما حُرم طويلاً من ممارسة العمل السياسي بصورة طبيعية؟ وكيف يمكن تحويل الاختلاف من مصدر للخوف إلى جزء عادي من الحياة العامة؟

ولا تتعلق أهمية هذه المنتديات، وفق هذا الطرح، بقدرتها على تقديم إجابات فورية، وإنما بإتاحتها مساحة لاختبار الحوار نفسه. فالحياة الديمقراطية لا تبدأ فقط عند صناديق الاقتراع، بل تحتاج أيضاً إلى فضاءات يتعلم فيها الناس الاستماع إلى بعضهم، ومناقشة الأفكار المتعارضة، وإدارة الخلاف من دون تحويله إلى صراع وجودي.

ويشارك صحفيون وكتاب عاصروا مراحل مختلفة من التاريخ السوري الحديث، أو عاشوا سنوات الحرب السورية بأكملها، في هذا النقاش. وينتمي هؤلاء إلى جيل حمل أسئلة السياسة السورية قبل التحولات الأخيرة، ويحاول المشاركة في إعادة طرحها في ظروف جديدة.

ولا تعني هذه المشاركة، بالضرورة، تمثيل تيار سياسي محدد، بقدر ما تعكس محاولة أوسع لإعادة الاعتبار للفعل السياسي بعد سنوات هيمنت خلالها لغة السلاح والهويات المغلقة والخوف على المجال العام.

مع ذلك، تظل أمام هذه التجارب مشكلة أساسية: اتساع مساحة النقاش لا يعني تلقائياً اتساع المشاركة السياسية. فإذا بقيت المنتديات محصورة في دوائر المثقفين والناشطين داخل العاصمة، فستظل قدرتها على الوصول إلى المجتمع الأوسع محدودة.

ويبرز هنا سؤال آخر يتعلق بالمواطنين خارج دمشق، ولا سيما الشباب في المدن البعيدة عن العاصمة، أو الذين فقدوا الثقة بأشكال العمل العام بعد سنوات الحرب. كيف يمكن أن تصل هذه النقاشات إليهم؟ وكيف تنتقل من القاعات والبيوت الثقافية إلى فضاء اجتماعي أوسع؟

فراغ سياسي ومؤسسات في طور التشكل

تكشف هذه الأسئلة عن مفارقة المرحلة الحالية: توجد رغبة في استعادة السياسة، لكن في الوقت نفسه لا تزال هناك فجوة سياسية كبيرة. الأحزاب ضعيفة، والمؤسسات في طور التشكل، والثقة بين المجتمع والسياسة هشة.

وفي ظل هذا الواقع، يمكن النظر إلى المنتديات باعتبارها محاولات أولية لبناء مساحة للحوار قبل اكتمال البنية السياسية التي يمكن أن تستوعب هذا الحوار. وهي، بهذا المعنى، لا تقدم نفسها بالضرورة بديلاً عن الدولة أو الأحزاب، وإنما تحاول إعادة المجتمع إلى موقع الفاعل.

قبل أن يُطرح سؤال «من يحكم؟»، يظهر سؤال أكثر أساسية: هل يمتلك المجتمع القدرة على مساءلة من يحكم؟

من هنا تتجاوز دلالة «منتدى سلامة كيلة» اسم المنتدى نفسه. فهو يأتي ضمن ظاهرة تحاول فيها السياسة العودة إلى المجال العام من مساحات صغيرة: منزل، أو ندوة، أو لقاء بين مجموعة من المهتمين. لكن استمرار هذه العودة واتساعها يظلان مرتبطين بأسئلة لم تجد إجابات بعد: هل يمكن لهذه المساحات أن تتوسع؟ وهل تستطيع تجاوز حدود النخب؟ وهل يمكن أن تتحول من أماكن للنقاش إلى مقدمات لحياة سياسية فعلية؟

وتأخذ هذه الأسئلة بعداً إضافياً عند النظر إلى تجربة فداء الحوراني، التي تضع مسألة حرية الكلام السياسي وحدود المجال العام في صلب النقاش.

فداء الحوراني واختبار حرية التعبير السياسي

لا تُقرأ تجربة فداء الحوراني بمعزل عن التاريخ السياسي السوري. فهي مرتبطة بتجربة «إعلان دمشق»، كما تنتمي إلى مرحلة حاولت خلالها شخصيات معارضة فتح مساحات سياسية في وجه واقع مغلق قبل عام 2011.

ويحمل اسمها أيضاً بعداً سياسياً أقدم، باعتبارها ابنة الراحل أكرم الحوراني، مؤسس «الحزب العربي الاشتراكي». ولذلك ارتبط حضورها العام بأسئلة الدولة والمجتمع والعمل السياسي.

لكن أهمية ظهورها في المشهد الحالي تتصل، بصورة أكبر، بالسؤال الذي تطرحه تجربتها عن حرية التعبير السياسي. فبعد سنوات خرج خلالها السوريون إلى الشوارع للمطالبة بالحرية، وبعد سقوط النظام السابق، يبقى التساؤل قائماً حول مدى تحول حرية التعبير السياسي إلى ممارسة يومية فعلية.

وأثارت إحدى الندوات المرتبطة بفداء الحوراني جدلاً حول منع إقامتها في المكان الذي كان مخصصاً لها، والانتقال إلى مساحة أخرى. وبعيداً عن تفاصيل الواقعة بوصفها مسألة تنظيمية، يطرح الأمر سؤالاً أوسع حول أسباب استمرار الحساسية تجاه بعض النقاشات السياسية، وما تكشفه مثل هذه الوقائع عن حدود المجال العام في المرحلة الحالية.

سقوط النظام لا ينهي بالضرورة ثقافة الخوف

تكمن إحدى الإشكاليات التي تبرزها التجربة السورية في أن سقوط نظام سياسي لا يؤدي تلقائياً إلى زوال الثقافة السياسية التي تشكلت خلاله. فالخوف من السياسة لا يرتبط فقط بالأجهزة والمؤسسات، وإنما يمكن أن يستمر داخل المجتمع، وفي طريقة التعامل مع الرأي المختلف، وفي الاعتقاد بأن بعض الأفكار ينبغي مراقبتها أو الحد من وصولها إلى المجال العام.

وبهذا المعنى، تضع تجربة الحوراني المجتمع أمام سؤال يتجاوز شخصها: هل كان غياب الحرية هو المشكلة وحده، أم أن المجتمع يحتاج أيضاً إلى تطوير قدرته على قبول التعدد السياسي؟

فالمجال العام لا يُختبر عندما يتحدث الجميع باللغة نفسها، وإنما عندما يستطيع المختلف أن يظهر ويعبّر عن موقفه. والديمقراطية، في هذا السياق، لا تقوم على غياب الخلاف، وإنما على القدرة على إدارته.

لذلك، فإن عودة السياسة إلى المجتمع تعني بالضرورة عودة أصوات متعددة وتجارب ومواقف مختلفة، وهو أمر قد لا يكون مريحاً دائماً. وبناء فضاء عام حقيقي لا يتطلب السماح بعقد الندوات فحسب، وإنما يتطلب أيضاً القدرة على التعامل مع النتائج التي تترتب على النقاش المفتوح.

ومن هذه الزاوية، تبدو المنتديات الحوارية في دمشق أقرب إلى مساحات اختبار منها إلى مؤشر على اكتمال الانفتاح. فهي تختبر السلطة الجديدة في سوريا، كما تختبر المجتمع والنخب السياسية.

فالسلطة تُختبر بمدى قدرتها على حماية النقاش المختلف، والمجتمع بقدرته على قبول التعدد، فيما تُختبر النخب بقدرتها على الانتقال من خطاب المعارضة إلى ممارسة الحوار في ظروف سياسية جديدة.

من حرية النقاش إلى بناء المؤسسات

لا يتوقف النقاش عند حدود حرية التعبير. فإعادة السياسة إلى المجتمع تفتح سؤالاً موازياً يتعلق بالدولة ومؤسساتها، وهو ما يظهر في كتابات المحامي ميشيل شماس.

ينتقل هذا السؤال من المجال الاجتماعي إلى المستوى المؤسساتي: هل يمكن بناء حياة سياسية جديدة إذا استمرت مؤسسات الدولة في العمل وفق منطق قديم؟

وتأتي أهمية هذا الجانب من أن المجال العام لا يستطيع الاستمرار بالاعتماد على المنتديات واللقاءات وحدها. فهو يحتاج إلى مؤسسات وقواعد قانونية تحمي الاختلاف وتحوله إلى ممارسة سياسية طبيعية.

السياسة، في هذا الإطار، لا تعني فقط قدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم، وإنما تشمل أيضاً قدرتهم على التأثير في القرارات والقوانين التي تنظم حياتهم.

ومن هذا المنطلق، تأتي كتابات ميشيل شماس، المحامي والناشط الحقوقي المعروف بمتابعته لقضايا المعتقلين والعدالة وسيادة القانون. وفي مقاله المنشور مؤخراً في صحيفة «المدن» حول مجلس الشعب، يطرح شماس واحدة من القضايا الحساسة في المرحلة الانتقالية، وهي احتمال تغير الواجهات مع بقاء أساليب إدارة الدولة على حالها.

ولا يتعلق الأمر فقط بأسماء أعضاء المجلس أو بوجود مؤسسة تشريعية، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه. فالمؤسسات لا تصبح ديمقراطية بمجرد تغيير شكلها، كما أن وجود انتخابات أو مجالس لا يضمن تمثيلاً حقيقياً إذا لم تمتلك تلك المؤسسات القدرة على الرقابة والمساءلة وصناعة القرار بصورة مستقلة.

المواطن بين النقاش والدولة

يتقاطع ما يطرحه شماس مع الأسئلة التي تظهر في المنتديات الدمشقية. فالمواطن الذي يناقش شكل الدولة أو مستقبل الدستور لا يبحث فقط عن مكان يتحدث فيه، وإنما عن دولة قادرة في النهاية على الاستماع إلى هذه الآراء وتحويلها إلى سياسات وقوانين.

وإلا بقي النقاش منفصلاً عن المؤسسات، وتحولت المساحات الجديدة إلى مجرد أماكن للكلام من دون تأثير فعلي في إدارة الشأن العام.

وهنا تظهر إحدى الفجوات الرئيسية أمام سوريا في المرحلة الحالية: الحاجة الاجتماعية إلى السياسة موجودة، لكن السياسة تحتاج إلى بنية مؤسساتية قادرة على استيعابها. يستطيع المجتمع أن يبدأ النقاش، لكنه لا يستطيع وحده إنشاء نظام قانوني يضمن استمرار هذا النقاش وتحويله إلى ممارسة عامة.

ولهذا لا تقتصر أهمية طرح شماس على نقد مجلس الشعب، بل تمتد إلى مسألة العلاقة بين الدولة والمواطن. فالانتقال السياسي لا يقاس فقط بتغيير الشعارات أو الواجهات، وإنما بمدى قدرة مؤسسات الدولة على تغيير طريقة تعاملها مع المواطنين.

هل تعود السياسة إلى حياة السوريين؟

لا يزال من المبكر حسم ما إذا كانت الحياة السياسية قد عادت فعلاً إلى سوريا. فالأنشطة والمنتديات التي تشهدها دمشق لا تكفي وحدها لإعلان عودة الحياة السياسية، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن تجاهلها باعتبارها مجرد نشاط محدود للنخب والمثقفين.

ما يظهر حتى الآن هو وجود مساحات جديدة للنقاش، وأصوات تحاول استعادة حضورها، وأسئلة تتجاوز تغيير السلطة إلى البحث في شكل الدولة وعلاقة المواطن بها.

لكن استعادة السياسة لا تقتصر على القدرة على الحديث. إنها تعني أيضاً القدرة على الاختلاف والتنظيم والمشاركة والمساءلة، ووجود مؤسسات تحمي هذه الحقوق وتجعلها جزءاً من الحياة اليومية.

وبين «منتدى سلامة كيلة»، وتجربة فداء الحوراني، وما يطرحه ميشيل شماس بشأن الدولة والمؤسسات، تبدو ملامح مرحلة لا تزال في بدايتها. مرحلة يحاول فيها السوريون استعادة مساحة سياسية حُرموا منها لعقود، والعودة إلى موقع الفاعل في الشأن العام.

ويبقى الاختبار الأوسع لسوريا ما بعد الأسد هو ما إذا كانت حرية الكلام ستتحول من استثناء إلى حق، وما إذا كان النقاش السياسي سيخرج من دوائر محدودة إلى حياة عامة أكثر اتساعاً، وما إذا كان المواطن سيتمكن من أن يصبح شريكاً في إدارة الدولة، بدلاً من أن يظل متلقياً لقراراتها وسياساتها.

إقرأ أيضاً: انعقاد مجلس الشعب السوري وجدل المرحلة الانتقالية: بين بناء المؤسسات وطرح قانون الأحزاب

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.