التنافس السعودي التركي في سوريا.. استثمارات واتفاقيات وصراع نفوذ اقتصادي
تشهد سوريا تنافساً اقتصادياً متزايداً بين السعودية وتركيا منذ تولّي الإدارة الجديدة الحكم، وسط تحركات متسارعة لتعزيز الحضور الاقتصادي للدولتين عبر الاتفاقيات الاستثمارية ومذكرات التفاهم والتعاون في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة والزراعة والخدمات.
وتسعى دمشق إلى تحقيق توازن في علاقاتها الاقتصادية مع الرياض وأنقرة، بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية ودعم إعادة الإعمار وتحسين الوضع الاقتصادي، إلا أن طبيعة الاتفاقيات الموقّعة تكشف عن اختلاف في أهداف وأدوات الحضور الاقتصادي لكل دولة.
وبحسب إحصاء أجرته صحيفة «الأخبار»، شكّلت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم السعودية والتركية نحو ثلثي الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة السورية خلال الفترة الممتدة من بداية العام الماضي وحتى أيلول، ما يعكس حجم الحضور الاقتصادي للدولتين في سوريا.
السعودية في سوريا.. استثمارات وتمويل ومشاريع استراتيجية
تسعى السعودية إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في سوريا وملء الفراغ الذي تركه تراجع النفوذ الإيراني بعد سقوط النظام السابق، في ظل مخاوف من توسع النفوذ التركي دون وجود شراكة عربية موازية.
في المقابل، تراهن دمشق على الدعم السعودي لتعزيز علاقاتها العربية والدولية، وتوفير التمويل اللازم لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
وبحسب إحصاء صحيفة «الأخبار»، شهد التعاون السوري السعودي نحو 24 اجتماعاً وواقعة اقتصادية، جرى خلالها توقيع نحو 67 مذكرة تفاهم و12 اتفاقية تعاون.
وكان المنتدى الاستثماري السوري السعودي، الذي عُقد في تموز من العام الماضي، قد شهد الإعلان عن نحو 47 مذكرة تفاهم بقيمة إجمالية بلغت 6 مليارات دولار.
وشملت الاتفاقيات السعودية قطاعات النفط والغاز والكهرباء والعقارات والنقل والطيران والصناعة والزراعة والاتصالات والتحول الرقمي، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة.
ورغم اتساع الاتفاقيات، لا يزال جزء من الاستثمارات السعودية في مرحلة التفاهمات والإعداد، مع استمرار الحذر تجاه المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل وضمانات اقتصادية.
تركيا في سوريا.. نفوذ فني ومؤسساتي واسع
في المقابل، تركز تركيا على تعزيز حضورها الفني والمؤسساتي في سوريا، مستفيدة من علاقاتها مع الإدارة الجديدة وخبراتها في قطاعات الطاقة والنقل والتعليم والصحة والصناعة.
وبحسب التقديرات الواردة في تقرير صحيفة “الأخبار”، شهد التعاون السوري التركي نحو 22 واقعة اقتصادية، تضمنت توقيع 9 اتفاقيات تعاون و18 مذكرة تفاهم وبروتوكول تعاون واحد وعقد نهائي واحد.
وشملت الاتفاقيات قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والإدارة المحلية والصحة والتعليم العالي والدفاع والصناعة.
ويختلف الحضور التركي عن السعودي، إذ يعتمد بدرجة أكبر على تقديم الخبرات الفنية والتقنية والمشاركة في تطوير المؤسسات الحكومية، مقابل تركيز السعودية على التمويل والاستثمار والمشاريع الكبرى.
لكن هذا التوسع يثير مخاوف لدى بعض الاقتصاديين السوريين، خصوصاً فيما يتعلق بتزايد النفوذ التركي داخل المؤسسات الحكومية، واحتمال ارتباط مشاريع الرقمنة والأتمتة بإتاحة الوصول إلى بيانات وأرشيف المؤسسات السورية.
كما تبرز مخاوف من تأثير الانفتاح التجاري الواسع على الصناعة المحلية، في ظل تجارب سابقة شهدت منافسة المنتجات التركية للمنتجات السورية وإغلاق عدد من المنشآت الصناعية والحرفية.
التنافس السعودي التركي على النفوذ الاقتصادي في سوريا
رغم التقارب في حجم الاتفاقيات المعلنة، تختلف مصالح السعودية وتركيا وأدوات حضورهما في السوق السورية.
فالسعودية تمتلك قدرات تمويلية واستثمارية كبيرة تحتاج إليها سوريا في مرحلة إعادة الإعمار، بينما تعتمد تركيا على قربها الجغرافي وخبراتها الفنية وعلاقاتها مع مؤسسات الإدارة الجديدة.
ويحمل هذا التنافس أبعاداً سياسية إلى جانب المصالح الاقتصادية، إذ تسعى الرياض إلى تعزيز الحضور العربي في سوريا، في حين تعمل أنقرة على تثبيت موقعها كشريك رئيسي في إعادة بناء المؤسسات والقطاعات الاقتصادية.
كما تتباين المواقف الشعبية تجاه الطرفين؛ إذ يحظى الحضور السعودي بقبول واسع لدى شرائح من السوريين، بينما تواجه تركيا تحفظات مرتبطة بتدخلها العسكري السابق واستمرار وجود قواتها في مناطق من شمال سوريا.
هل تنجح دمشق في تحقيق التوازن بين الرياض وأنقرة؟
تواجه الحكومة السورية تحدياً في إدارة العلاقات الاقتصادية مع السعودية وتركيا، بما يضمن الاستفادة من التمويل السعودي والخبرات التركية دون السماح بتحول الاستثمارات والاتفاقيات إلى أدوات لتوسيع النفوذ السياسي.
ورغم احتمال ظهور مشاريع استثمارية سعودية تركية مشتركة، فإن التنافس بين الطرفين لا يزال قائماً، خصوصاً في ظل اختلاف مصالحهما وقدراتهما التمويلية وأهدافهما الاستراتيجية.
ويبقى نجاح سوريا في الاستفادة من هذا التنافس مرتبطاً بقدرتها على وضع سياسة اقتصادية واضحة، تضمن حماية الصناعة المحلية، وتحقيق التوازن في الشراكات الخارجية، وتحويل مذكرات التفاهم والاتفاقيات المعلنة إلى مشاريع استثمارية وإنتاجية فعلية.
إقرأ أيضاً: سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات بأكثر من 403 ملايين دولار.. ما أبرز المشاريع والقروض؟