من أين يأتي مازوت البسطات في حلب؟ محطات «فارغة» وباعة يبيعون الوقود بأسعار مضاعفة

في حلب، يبدو أن أزمة المحروقات أنتجت نظام توزيع موازياً أكثر قدرة على توفير المازوت من بعض محطات الوقود نفسها. فبينما تضع محطات لافتة نفاد المادة أو تغلق مضخاتها، تنتشر على مقربة منها بسطات تعرض عشرات اللترات بأسعار تصل إلى 250 ليرة للتر، مقابل 175 ليرة للسعر النظامي. والمفارقة أن الوقود الذي تعجز بعض الكازيات عن توفيره للمواطنين يظهر متاحاً لدى باعة الأرصفة، من دون إجابة واضحة عن مصدره والجهات التي تؤمّن وصوله إليهم.

ورغم وصول عشرات الصهاريج إلى حلب خلال الأيام الماضية وتراجع حدة الأزمة، لا تزال هذه السوق تعمل في أحياء متعددة، وسط شكاوى من نقص المازوت في بعض المحطات ورفض تعبئته في العبوات، في وقت لا يبدو أن الجهات الرقابية قدمت تفسيراً مقنعاً لهذا التناقض.

المحطة لا تبيع.. والبسطة تملك المخزون!

يقول أنس سمكري، صاحب محطة وقود في حلب، إن أزمة التوزيع اتسمت بالتخبط؛ إذ كانت الكميات تنفد خلال ساعات من وصولها، مع توافد أعداد كبيرة من السيارات. ويبرر تحديد التعبئة بـ20 لتراً خلال الأزمة بمحاولة توزيع المادة على أكبر عدد ممكن من المواطنين، لكنه يؤكد عودة الكميات إلى طبيعتها لاحقاً.

في المقابل، يشير مواطنون إلى استمرار امتناع محطات عن بيع المازوت، ولا سيما في الخالدية وعلى طريق حلب–غازي عنتاب. ويقول أحمد خلايلي، صاحب محل في شارع النيل، إن الأمر يستدعي جولات رقابية على المحطات التي تعلن نفاد المادة وتغلق مضخاتها، من دون الجزم بأسباب ذلك.

لكن المشهد الأكثر إثارة للاستفهام يظهر عندما تتجاور المحطات المعلنة خلوها من المازوت مع باعة يعرضون المادة على الأرصفة، وبكميات وصلت، وفق مصادر محلية، إلى نحو 300 لتر يومياً خلال ذروة الأزمة.

خمسة أشخاص للحصول على مئة لتر.. ومن يملأ البراميل؟

يشرح زكريا، أحد باعة المحروقات، أن بعض الباعة كانوا يحصلون على المازوت عبر إرسال خمسة أشخاص إلى المحطة، بواقع 20 لتراً لكل شخص، أو نقله من محافظات أخرى كحمص وحماة والساحل، فضلاً عن بيع مخزونات سابقة.

لكن بائعاً آخر، يُدعى محمود، اختصر الإجابة عن مصدر الكميات بعبارة: “بدكم تسألوا اللي عم ينزلنا”، في إشارة إلى وجود جهة تزود الباعة بالوقود. وهي شهادة تفتح سؤالاً أساسياً عن هوية الموردين وطبيعة مصادرهم، خصوصاً أن الكميات المعروضة لا تبدو منسجمة مع رواية الاعتماد على حصص فردية محدودة.

ويتهم سائق سرفيس سبق أن عمل في إحدى الكازيات بعض أصحاب المحطات بإخفاء كميات من المازوت داخل الخزانات وبيعها لاحقاً بأسعار أعلى، مشيراً إلى إمكانية الاحتفاظ بآلاف اللترات عبر التلاعب بآليات سحب الوقود. كما تحدث صاحب مولدة كهرباء عن احتمال عمل بعض الباعة لمصلحة محطات، وتقاسم فارق السعر بين الطرفين. وتظل هذه اتهامات تحتاج إلى تحقيق وإثبات، لكنها تستحق إجابات رسمية واضحة.

سوق سوداء أمام أعين الرقابة

لا تتوقف المشكلة عند استغلال حاجة المواطنين؛ فالبيع خارج القنوات المرخصة يفتح الباب أمام التلاعب بجودة المحروقات وكمياتها، ويعرض المركبات لأضرار قد يصعب إثبات المسؤولية عنها. ويحذر الخبير الاقتصادي علاء الدين حساني من انعكاسات السوق الموازية على الإيرادات العامة والأسعار والمنافسة، فضلاً عن مخاطر غش الوقود.

وفي ظل غياب رد واضح من الشركة السورية للبترول بشأن قانونية هذه البسطات ومصادر تزويدها، تبدو الرقابة مطالبة بالإجابة عن أسئلة لا يمكن تجاوزها: من يورد الوقود لهذه السوق؟ وهل تحصل البسطات على كميات من محطات مرخصة؟ ولماذا تُمنع العبوات عند المضخة بينما تباع ممتلئة على الرصيف؟

فإذا كانت المادة متوفرة بما يكفي لتغذية عشرات البسطات، فكيف تعجز بعض المحطات عن بيعها للمواطن بالسعر الرسمي؟ وإذا كانت الكميات تأتي من خارج القنوات النظامية، فمن المسؤول عن دخولها وتداولها؟ أما ترك هذه الأسئلة بلا إجابة، فيجعل أزمة الوقود أكثر من مجرد خلل في التوزيع؛ إنها اختبار لشفافية إدارة قطاع المحروقات وقدرة الجهات المعنية على ضبطه.

 

اقرأ أيضاً: مازوت حلب في دوامة الانقطاع: أسباب متجذرة وتعهدات حكومية باحتواء الأزمة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.