الاستثمار في سوريا بين تحذيرات توم باراك وتحركات الشركات الدولية.. هل تنجح البلاد في جذب رؤوس الأموال؟

أعاد المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، تسليط الضوء على العقبات التي تواجه الاستثمار في سوريا، بعدما وصف العثور على مستثمر مستعد لدخول السوق السورية بأنه «شبه مستحيل» في ظل الظروف الحالية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه البلاد تحركات من شركات دولية لاستكشاف فرص في قطاعات النفط والغاز والطاقة، ما يفتح تساؤلات حول الفجوة بين التحديات الاقتصادية القائمة والفرص الاستثمارية المطروحة.

وبين ضعف القطاع المصرفي وتقلبات سعر الصرف والمخاطر الأمنية والسياسية، من جهة، والاتفاقيات التي وقعتها شركات أجنبية خلال عام 2026، من جهة أخرى، تبدو البيئة الاستثمارية السورية أمام اختبار حقيقي. فالمسألة لا تتعلق فقط بقدرة البلاد على استقطاب اهتمام الشركات العالمية، وإنما بمدى استعدادها لتوفير الضمانات والتمويل والظروف التنظيمية اللازمة لتحويل هذا الاهتمام إلى مشروعات قائمة.

توم باراك: تحديات كبيرة أمام المستثمرين في سوريا

طرح باراك تقييمه للواقع الاستثماري السوري خلال مشاركته، الخميس، في فعالية «Global Perspectives: In Doha»، التي نظمتها شبكة «سي إن إن» في العاصمة القطرية، بحضور عدد من المسؤولين والشخصيات الدولية، بينهم رئيس الوزراء القطري.

وأشار المبعوث الأميركي إلى مجموعة من العوامل التي تجعل دخول الشركات إلى السوق السورية محفوفاً بالمخاطر، في مقدمتها ضعف النظام المصرفي، وعدم استقرار العملة، والتحديات الأمنية، فضلاً عن طول المدة اللازمة لاستعادة رؤوس الأموال المستثمرة.

وفي المقابل، كشف باراك عن اتصالات أجراها مع شركات طاقة عالمية، من بينها إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس وتوتال، بهدف دفعها إلى دراسة الفرص المتاحة في سوريا. ويعكس ذلك وجود مساعٍ لتشجيع الشركات الدولية على دخول السوق، رغم الصعوبات التي أشار إليها.

وتبرز مشكلة التمويل بصورة خاصة في قطاعات النفط والطاقة، التي تحتاج، بحسب باراك، إلى استثمارات بمليارات الدولارات، مع فترات استرداد قد تمتد بين 10 و15 عاماً. وتمثل هذه المدة عاملاً مؤثراً في حسابات الشركات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروعات استراتيجية في بلد لا تزال بنيته التحتية متأثرة بسنوات الحرب.

ولا تقتصر العقبات على حجم التمويل المطلوب، إذ تواجه المصارف السورية تحديات تتعلق بتحديث أنظمتها، وتسهيل التحويلات الدولية وتمويل التجارة وتسوية المدفوعات، إلى جانب متطلبات الامتثال المالي والتعامل مع تداعيات العقوبات السابقة والقيود التي ما زالت تؤثر في قرارات المؤسسات الأجنبية.

كذلك، يضاف إلى هذه العوامل عدم استقرار بعض القواعد التنظيمية، والحاجة إلى مزيد من الوضوح في التشريعات الاستثمارية، فضلاً عن المخاطر السياسية والأمنية التي ترفع كلفة المشروعات وتدفع المستثمرين إلى اعتماد سياسات أكثر تحفظاً.

216 مليار دولار احتياجات إعادة الإعمار

تتضح أبعاد المشكلة التمويلية عند النظر إلى حجم الاحتياجات السورية لإعادة التأهيل والتعافي. فقدّر البنك الدولي تكلفة التعافي وإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الأضرار والفجوة الكبيرة بين الموارد المتاحة والتمويل المطلوب لإعادة بناء البنية التحتية وتنشيط القطاعات الاقتصادية.

ولا يعني هذا الواقع غياب الاهتمام الدولي بالسوق السورية، إذ شهد عام 2026 تحركات في قطاع الطاقة شملت شركات أميركية وفرنسية وقطرية، وإن اختلفت طبيعة هذه التحركات ومستويات تقدمها، بين مذكرات تفاهم واتفاقيات استكشاف وعقود تطوير.

ففي شباط/فبراير الماضي، وقعت شركة شيفرون الأميركية مذكرة تفاهم لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، بالشراكة مع شركة قطرية.

وفي أيار/مايو، دخلت توتال إنرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأميركية وقطر للطاقة في اتفاق لاستكشاف فرص الاستثمار في قطاع الطاقة البحرية.

وتشير هذه الاتفاقيات إلى اهتمام شركات دولية بإمكانات القطاع، لكنها لا تعني بالضرورة أن التمويل اللازم أصبح متاحاً أو أن جميع المشروعات دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.

حقول النفط السورية.. اتفاقيات جديدة واختبار التنفيذ

على مستوى الحقول البرية، برزت تحركات شركة HKN الأميركية التي وصلت إلى مرحلة أكثر تقدماً من خلال توقيع عقد طويل الأجل لتطوير سبعة حقول نفطية في منطقة رميلان.

كما توصلت شركتا كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إلى اتفاقات للتعاون في تطوير حقول الغاز، في مؤشر إضافي على اهتمام شركات أجنبية بفرص العمل في قطاع المحروقات السوري.

ومع ذلك، تظل هناك مسافة بين توقيع الاتفاقيات وبدء ضخ الاستثمارات وتنفيذ المشروعات. فنجاح هذه التحركات يرتبط باستكمال المتطلبات الفنية والمالية والتنظيمية، وتوفير الظروف التي تتيح للشركات الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التشغيل والإنتاج.

وفي هذا السياق، تشير قراءة تقرير مجموعة أكسفورد للأعمال عن الاقتصاد السوري لعام 2026 إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في تحويل الإعلانات الاستثمارية ومذكرات التفاهم إلى مشروعات ممولة وقيد التشغيل، بدلاً من الاكتفاء بالاتفاقيات الأولية.

وبذلك، لا يتعارض وجود اهتمام دولي بقطاعات الطاقة مع التحذيرات التي أطلقها باراك؛ فالشركات قد تبدي استعداداً لدراسة الفرص المتاحة، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار نهائي بضخ استثمارات كبيرة في بيئة لا تزال تواجه مخاطر متعددة.

صندوق النقد يرصد مؤشرات على تعافي الاقتصاد السوري

في مقابل التقييم المتحفظ الذي قدمه المبعوث الأميركي، حملت قراءة صندوق النقد الدولي للاقتصاد السوري مؤشرات أكثر إيجابية.

فبعد زيارة بعثته إلى دمشق في شباط/فبراير 2026، تحدث الصندوق عن تسارع النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، فضلاً عن تحسن الاندماج الإقليمي وإزالة عدد من العقوبات الدولية.

واعتبر الصندوق أن المشروعات الاستثمارية الجديدة يمكن أن تدعم آفاق النمو الاقتصادي خلال عام 2026 والسنوات التالية، لكنه ربط الاستفادة من هذه الفرص بضرورة تحسين الحوكمة، وإخضاع الالتزامات المالية المرتبطة بالمشروعات الكبرى لتقييم دقيق.

ويعكس هذا التقييم أن مؤشرات التعافي الاقتصادي لا تلغي المشكلات الهيكلية، لكنها تشير إلى وجود عوامل قد تساعد على تحسين بيئة الأعمال تدريجياً، إذا ترافقت مع إصلاحات مؤسسية ومالية.

المشروعات الصغيرة والمتوسطة خارج حسابات الاستثمارات الكبرى

لا يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن وصف الاستثمار في سوريا بأنه «شبه مستحيل» يمكن اعتباره حكماً نهائياً على مجمل الاقتصاد السوري، مشيراً إلى ضرورة قراءة تصريحات باراك في إطارها السياسي والاقتصادي، وما تحمله من رسائل بشأن متطلبات جذب الشركات والاستثمارات الاستراتيجية.

وفي منشور على صفحته في «فيسبوك»، أوضح عمر أن قطاعات مثل المطارات والموانئ والطاقة والنفط والغاز تتطلب رؤوس أموال كبيرة، كما تحتاج إلى سنوات طويلة قبل تحقيق العوائد، لكنه شدد على أن هذه القطاعات لا تمثل وحدها المجال المتاح للاستثمار في البلاد.

وأشار إلى أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تنشيط الأسواق، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج والدخل والإيرادات العامة، معتبراً أن هذه المشروعات يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تحريك الاقتصاد خلال مرحلة التعافي.

كما حذر من أن يؤدي التركيز على مشروعات البنية التحتية والطاقة إلى إهمال الزراعة والصناعة، اللتين تمثلان، بحسب رؤيته، ركيزتين أساسيتين لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الطلب على العملات الأجنبية.

ويرى عمر أن استعادة النشاط الاقتصادي تتطلب تحريك رأس المال المحلي، وتوسيع الشراكات العربية السورية، إلى جانب بناء بيئة استثمارية مستقرة تتسم بوضوح القواعد التنظيمية وتوفر الظروف المناسبة للنشاط الإنتاجي.

الإنتاج المحلي ودوره في دعم الليرة السورية

تتقاطع هذه الرؤية مع ما ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في 22 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن القطاع الخاص السوري.

وأكد التقرير أن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يعتمد على الاستثمارات الكبرى وحدها، مشيراً إلى الدور المحوري للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة المحلية في توفير فرص العمل وتنشيط الأسواق.

كما لفت إلى أهمية استثمارات المغتربين السوريين، باعتبارها مصدراً محتملاً للتمويل والخبرات والعلاقات التجارية التي يمكن أن تسهم في دعم النشاط الاقتصادي.

ومن جانب آخر، يطرح الخبير الاقتصادي جورج خزام مسألة دعم الإنتاج المحلي باعتبارها مدخلاً لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والنقدية، ويربط بين قدرة الليرة السورية على استعادة قوتها وبين تطور الإنتاج الصناعي والزراعي.

وفي منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، حذر خزام من أن فتح الأسواق أمام المستوردات، من دون توفير الحماية والظروف التنافسية المناسبة للمصانع والورش المحلية، قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.

ويستند خزام في طرحه إلى أن قوة الدولار الأميركي لا ترتبط بوجود غطاء ذهبي، وإنما بالثقة في الاقتصاد الأميركي ومؤسساته وموقعه في التجارة الدولية.

ويتفق هذا الجانب من الطرح مع طبيعة النقود الإلزامية، التي لا يشترط أن تكون قابلة للتحويل إلى الذهب حتى تحتفظ بصفة العملة. وقد انتهى ارتباط الدولار الأميركي بقابلية التحويل إلى الذهب منذ عقود، وفق النظام النقدي المعمول به.

لكن قيمة العملة لا تتحدد بعامل واحد، إذ تتأثر أيضاً بالثقة والسياسة النقدية والقدرة الإنتاجية وحجم الاقتصاد. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تنشيط الصناعة والزراعة السورية ضمن أي استراتيجية تستهدف تحسين الاستقرار النقدي وتقليص الاعتماد على الاستيراد.

تصريحات باراك تضع الاقتصاد ضمن سياق سياسي أوسع

لم تقتصر تصريحات باراك في الدوحة على الملف الاقتصادي، بل تناولت أيضاً مستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية، إذ تحدث عن استعداد القيادة السورية لإقامة علاقة مختلفة مع إسرائيل والتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة العداء، معتبراً أن الدبلوماسية والحوار يشكلان الطريق نحو تسوية طويلة الأمد.

ويضع هذا الجانب من التصريحات الملف السوري ضمن مجموعة من المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تتداخل في حسابات واشنطن بشأن مستقبل البلاد وعلاقاتها الإقليمية.

ومع ذلك، لا تتوافر في المعطيات الواردة أدلة تثبت وجود ارتباط مباشر بين شروط جذب الاستثمارات الأجنبية ومسار التطبيع مع إسرائيل، كما لا يمكن اعتبار التحذيرات الاقتصادية التي أطلقها باراك دليلاً بحد ذاتها على وجود ضغوط سياسية مرتبطة بقرارات استثمارية محددة.

وتبقى تصريحات المبعوث الأميركي انعكاساً لجملة من التحديات التي تواجه المستثمرين، لكنها لا تختصر كامل المشهد الاقتصادي السوري، الذي يشهد في الوقت نفسه تحركات دولية وفرصاً استثمارية محتملة ومؤشرات أولية على التعافي.

الاختبار الحقيقي أمام الاقتصاد السوري يتمثل في القدرة على الانتقال من مرحلة الاتفاقيات والإعلانات إلى تنفيذ مشروعات ممولة ومنتجة، بالتوازي مع إصلاح القطاع المصرفي وتحسين البيئة القانونية والتنظيمية وتوفير الاستقرار اللازم للاستثمار.

ولا يقل عن ذلك أهمية بناء قاعدة إنتاج محلية قادرة على تحريك الأسواق وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على الواردات ورؤوس الأموال الخارجية وحدها، بما يجعل التعافي الاقتصادي أكثر ارتباطاً بقدرات الاقتصاد السوري نفسه.

إقرأ أيضاً: توم باراك: تعافي الاقتصاد السوري يحتاج إلى 15 عاماً.. وتحذيرات من تأخر الاستثمارات الأجنبية

إقرأ أيضاً: تصريحات توم باراك تكشف تباينات الموقف الأمريكي من مستقبل سوريا ووحدة أراضيها

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.