تصريحات توم باراك تكشف تباينات الموقف الأمريكي من مستقبل سوريا ووحدة أراضيها
أثارت التصريحات المتباينة للمبعوث الأمريكي توم باراك بشأن الملف السوري تساؤلات حول طبيعة الرؤية الأمريكية لمستقبل البلاد، وشكل نظام الحكم، ومستقبل قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، إلى جانب الترتيبات الأمنية المرتبطة بالعلاقة مع “إسرائيل” ودور واشنطن في المنطقة.
وتكشف مقارنة مواقف باراك، التي امتدت من مايو 2025 حتى أكتوبر 2026، عن مجموعة من التغيرات في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه سوريا، بين التأكيد على حق السوريين في اختيار شكل دولتهم، والتشديد على ضرورة الحفاظ على وحدة البلاد، وصولًا إلى طرح ترتيبات أمنية إقليمية قد تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل المشهد السوري.
الفيدرالية ومركزية الدولة.. تباين في تصريحات باراك
يبرز شكل نظام الحكم في سوريا باعتباره أحد أبرز الملفات التي شهدت تباينًا في تصريحات المبعوث الأمريكي.
ففي يوليو 2025، اعتبر باراك أن النظام الفيدرالي لا يمثل خيارًا ناجحًا لسوريا، مشيرًا إلى أن مستقبل قوات سوريا الديمقراطية يرتبط بالتوصل إلى تفاهمات مع دمشق.
لكن في تصريحات أخرى خلال الشهر نفسه، أكد أن الولايات المتحدة لا تفرض شكلًا محددًا للدولة السورية، وأن القرار النهائي يعود إلى السوريين، بما في ذلك إمكانية اختيار نظام اتحادي.
وتجدد هذا التباين في سبتمبر 2025، عندما تحدث باراك عن حكومة سورية مركزية وشاملة، قبل أن يصف خلال منتدى الدوحة في ديسمبر من العام نفسه نماذج المركزية واللامركزية والفيدرالية بأنها أوهام، مؤكدًا أن شعوب المنطقة هي صاحبة القرار.
وتعكس هذه التصريحات اختلافًا في طريقة تناول مستقبل الحكم في سوريا، دون أن تقدم تصورًا أمريكيًا نهائيًا وواضحًا بشأن النموذج السياسي الذي تدعمه واشنطن.
مستقبل قسد والاندماج مع دمشق
يمثل ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» محورًا آخر في التصريحات الأمريكية المتعلقة بسوريا، خاصة في ظل التوازنات الأمنية والسياسية المرتبطة بدمشق وأنقرة.
ففي يوليو 2025، وصف باراك قوات سوريا الديمقراطية بأنها شريك مهم للولايات المتحدة في محاربة تنظيم داعش، لكنه في الوقت نفسه انتقد بطء المفاوضات المتعلقة بدمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، داعيًا إلى تسريع هذه العملية.
ويعكس هذا الموقف رغبة واشنطن في الحفاظ على التعاون الأمني مع «قسد»، بالتوازي مع الضغط باتجاه تقليص استقلالها العسكري والإداري، وإيجاد صيغة تضمن دمجها ضمن ترتيبات الدولة السورية.
كما يرتبط هذا الملف بحسابات تركيا الأمنية وعلاقة أنقرة بدمشق، ما يجعل مستقبل القوات الكردية أحد أكثر الملفات حساسية في المعادلة السورية.
العلاقة مع “إسرائيل” واتفاق أمني محتمل
تظهر تباينات أخرى في تصريحات باراك بشأن العلاقة بين سوريا و”إسرائيل”، إذ انتقد في يوليو 2025 التدخلات والضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معتبرًا أنها تعقد جهود تحقيق الاستقرار.
لكن في ديسمبر من العام نفسه، تحدث عن ضرورة التوصل إلى اتفاق أمني وحدودي بين سوريا و”إسرائيل”، مع إمكانية تطويره نحو مسار تطبيع العلاقات بين الجانبين.
ويكشف هذا التوجه عن أولوية أمريكية تتمثل في إعادة ترتيب الوضع الأمني على الحدود السورية “الإسرائيلية”، ومحاولة الانتقال من المواجهة والتوتر إلى تفاهمات سياسية وأمنية.
غير أن الانتقال من انتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى الدفع نحو اتفاق أمني لا يمثل بالضرورة تناقضًا مباشرًا، لكنه يوضح اختلاف الأولويات التي تحكم الخطاب الأمريكي تجاه الملف.
الجولان السوري.. توضيح أمريكي بعد تصريح باراك
ومن أبرز المحطات التي شهدتها تصريحات المبعوث الأمريكي ما يتعلق بالجولان السوري المحتل.
ففي أغسطس 2026، قال باراك إن “إسرائيل” لا تزال تحتل الجولان، مشيرًا إلى أن قرارات الأمم المتحدة تعتبره أرضًا سورية.
وأثارت هذه التصريحات تساؤلات بشأن موقف الإدارة الأمريكية، خاصة أنها جاءت في سياق يتعارض ظاهريًا مع اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة “إسرائيل” على الجولان.
وبعد يومين، قدم باراك توضيحًا أكد فيه أن حديثه كان وصفًا للسياق التاريخي، وليس إعلانًا عن تغيير الموقف الأمريكي، مشددًا على أن سياسة واشنطن تجاه الجولان لم تتبدل.
ويعد هذا الملف أبرز الأمثلة على التصحيح العلني المباشر في سجل تصريحات باراك بشأن سوريا.
الوجود العسكري الأمريكي.. تقليص القواعد مع استمرار النفوذ
لم تقتصر التباينات على القضايا الداخلية والإقليمية المرتبطة بسوريا، بل امتدت إلى طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
ففي يونيو 2025، تحدث باراك عن توجه لخفض عدد القواعد الأمريكية في سوريا من ثماني قواعد إلى قاعدة واحدة، في إطار تقليص الانتشار العسكري المباشر.
وفي أكتوبر 2026، أكد خلال منتدى الدوحة أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى امتلاك المنطقة أو السيطرة عليها، لكنها لن تغادر الشرق الأوسط.
وتشير هذه التصريحات إلى توجه نحو إعادة صياغة الدور الأمريكي، عبر تقليل الاعتماد على الوجود العسكري المباشر، مع الحفاظ على النفوذ الدبلوماسي والأمني والشراكات الإقليمية.
سوريا في قلب الحسابات الإقليمية الأمريكية
تكشف مجمل تصريحات توم باراك أن التعامل الأمريكي مع الملف السوري لا ينفصل عن شبكة واسعة من المصالح الأمنية والسياسية في المنطقة، تشمل تركيا و”إسرائيل”، ومستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وترتيبات الحدود، وطبيعة الوجود العسكري الأمريكي.
كما تعكس هذه المواقف محاولة واشنطن الربط بين استقرار سوريا وإعادة تنظيم علاقاتها الأمنية مع دول الجوار، مع ترك مساحة من الغموض بشأن حدود الالتزامات الأمريكية المستقبلية.
وفي المحصلة، لا تكفي التباينات في تصريحات باراك وحدها للقول بوجود تحول كامل في الاستراتيجية الأمريكية تجاه سوريا، لكنها تكشف عن اختلافات واضحة في الخطاب والأولويات، وتطرح تساؤلات مهمة حول شكل الدولة السورية مستقبلًا، ومستقبل التوازنات الداخلية، وموقع دمشق في ترتيبات الأمن الإقليمي.
إقرأ أيضاً: توم باراك: تعافي الاقتصاد السوري يحتاج إلى 15 عاماً.. وتحذيرات من تأخر الاستثمارات الأجنبية
إقرأ أيضاً: تراجع توم باراك عن تصريحاته بشأن الجولان السوري المحتل