كلفة العلاج في سوريا تدفع المرضى إلى تأجيل التشخيص.. الفقر وغياب الضمان يفاقمان الأزمات الصحية

في سوريا، بات الوصول إلى الطبيب قراراً مالياً يسبق أن يكون صحياً. فقبل حجز موعد المعاينة، تحسب الأسر كلفة الكشف والتحاليل والأدوية والتنقل، وقد تنتهي هذه الحسابات بتأجيل العلاج أو الاكتفاء بالمسكنات وشراء جزء من الوصفة. ومع تراجع القدرة الشرائية وغياب مظلة تأمين صحي واسعة، يتحول المرض إلى عبء اقتصادي إضافي، وتصبح المضاعفات الصحية أحياناً نتيجة مباشرة للعجز عن تحمل كلفة الوقاية والتشخيص المبكر.

ستة أشهر بين الألم والعلاج

أجّل الحاج ياسين علوش، من إدلب، مراجعة الطبيب ستة أشهر رغم معاناته آلاماً في الصدر وضيقاً في التنفس. كان يخشى أن تفتح الزيارة باباً لنفقات لا يستطيع تحملها، إلى أن تدهورت حالته ونُقل إلى المستشفى بعد سعال مصحوب بالدم وفقدان الوعي. وأظهرت الفحوصات إصابته بقصور حاد في عضلة القلب، إلى جانب مضاعفات مرتبطة بارتفاع ضغط الدم والسكري وقصور في وظائف الكلى.

وتعكس حالته جانباً من نتائج تأجيل الرعاية الطبية. ويقول اختصاصي الأمراض الداخلية مهند الخليل إن ضيق الموارد يدفع مرضى إلى شراء أدوية مجتزأة أو الاستغناء عن أدوية أساسية، محذراً من أن تأخير التعامل مع الحالات الحرجة، كالأزمات القلبية، قد يؤدي إلى مضاعفات يصعب تداركها.

ولا تتوقف المشكلة عند أجور المعاينات؛ فالتحاليل والصور الشعاعية وأسعار الأدوية تشكل سلسلة من التكاليف قد تمنع المريض من استكمال التشخيص. كما يدفع تفاوت أجور الأطباء وضعف الرقابة على الالتزام بالتسعيرات إلى زيادة العبء على الأسر.

الصيدلية بديل اضطراري عن العيادة

في حالات كثيرة، تتحول الصيدلية إلى محطة أولى للاستشارة، ويصبح السؤال عن البديل الأرخص أهم من السؤال عن العلاج الأنسب. ويشير الصيدلاني وائل مغلاج إلى أن بعض المرضى يقللون جرعات أدوية الضغط والسكري أو يشترون جزءاً من الوصفة، فيما يلجأ آخرون إلى الدفع الآجل أو يوقفون العلاج قبل إتمامه.

وتزداد المخاطر مع انتشار الوصفات المنزلية والخلطات العشبية، كما في حالة فاطمة العلي التي لجأت إلى خلطات غير معروفة المكونات بعد عجزها عن تحمل كلفة تحاليل الاشتباه بالتهاب المفاصل الروماتويدي، قبل تعرضها لمضاعفات استدعت دخول المستشفى. ولا يمكن الجزم بأن الخلطات وحدها سببت النزيف، لكن الواقعة تكشف خطورة العلاج العشوائي في غياب المتابعة الطبية.

علاج مؤجل وسياسة صحية غائبة

تتفاقم الأزمة في الأرياف، حيث يضاف إلى كلفة العلاج عبء التنقل إلى مراكز المدن، مع نقص المنشآت القادرة على التعامل مع الحالات الإسعافية. وفي المقابل، لا تقدم المادة مؤشرات على توسع فعلي في التغطية الصحية أو آليات تضمن حصول محدودي الدخل على الفحوصات والأدوية الأساسية.

وتبدو الدعوات إلى مراجعة المراكز المجانية محدودة الأثر ما لم تكن هذه المراكز متاحة ومجهزة وقادرة على استقبال المرضى. فالمواطن لا يحتاج إلى نصيحة بتجنب تأجيل العلاج بقدر حاجته إلى نظام صحي لا يجعل التشخيص المبكر امتيازاً لمن يملك المال.

إن غياب الضمان الصحي الفاعل، وتفاوت كلفة الخدمات، وضعف الوصول إلى العلاج في المناطق الريفية، تكشف فجوة في التخطيط الصحي والاجتماعي. أما ترك الأسر لمواجهة هذه الكلفة منفردة، فيعني أن المرض لن يستنزف أجسادها وحدها، بل مدخراتها وقدرتها على تلبية بقية احتياجاتها أيضاً.

 

اقرأ ايضاً: مرضى السرطان في سوريا بين العلاج المجاني وتكاليف الأدوية والنقل والإقامة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.