اعتداءات على المشافي في سوريا.. كيف تُحمى الكوادر الطبية وحقوق المرضى؟
لم تعد الاعتداءات داخل المشافي السورية حوادث منفصلة، إذ وثقت منظمة الصحة العالمية 31 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية في سوريا خلال عام 2025، بينما شهد عام 2026 اعتداءات جديدة طالت أطباء وممرضين ومنشآت طبية، بعضها أدى إلى توقف خدمات أو إضراب كوادر، وصولاً إلى تخريب تجهيزات طبية ووفاة مريضة خلال أحد الاعتداءات
وتأتي هذه الحوادث في وقت يعاني فيه القطاع الصحي السوري من هشاشة ونقص في الموارد، ما يجعل حماية العاملين في المجال الطبي وضمان حق المرضى في الرعاية والمساءلة معادلة صعبة، خصوصاً مع استمرار غياب إطار قانوني وأمني كافٍ، بحسب أطباء ومسؤولين تحدثوا عن الملف
اعتداءات متكررة داخل المشافي
في كانون الثاني 2025، اعتصم أطباء في مشفى الأطفال الجامعي بدمشق للمطالبة بتوفير الحماية داخل المنشأة، بعد اعتداءات من مرافقي مرضى وتهديدات لإدارة المشفى على خلفية وفاة طفل
ولم تتوقف الاعتداءات عند دمشق، إذ تعرض الكادر الطبي التطوعي في مشفى بصرى الشام الوطني لتهديدات واعتداءات مرتبطة بنقص المستلزمات الطبية، ما أدى إلى تعليق الخدمات وانسحاب الكادر التطوعي نتيجة غياب الحماية الأمنية
وفي تموز 2026، تعرضت طبيبة مقيمة في قسم الإسعاف بمشفى الرقة الوطني لاعتداء، أعقبه احتجاج لأطباء المشفى للمطالبة ببيئة عمل آمنة تتيح استمرار تقديم الخدمات الطبية دون ضغوط أو انتهاكات
وشهد مشفى السويداء الوطني في آب 2026 اعتداء من مرافق أحد المرضى على طبيب مقيم في قسم الإسعاف، أعقبه إضراب للعاملين في القسم، قبل اتخاذ إجراءات أمنية جديدة داخل المشفى
وفي مشفى «ميديكالز» بمدينة أعزاز، تصاعد خلاف عقب وفاة مريض إلى اقتحام قسم العناية المشددة والاعتداء على الكادر وتخريب تجهيزات طبية، بينها أجهزة تنفس وإنعاش ومضخات
وأدى تكسير أحد أجهزة التنفس خلال الاعتداء إلى وفاة مريضة كانت موصولة به، قبل وصول الأجهزة الأمنية وانتشارها في محيط المشفى وفتح تحقيق في الحادثة، فيما أدانت وزارة الصحة الواقعة
ولم تقتصر المخاطر التي تعرضت لها المنشآت الطبية على الاعتداءات المرتبطة بمرافقي المرضى، إذ طالت العمليات العسكرية مستشفيات أيضاً، وأخرجت مشفيا «خالد فجر» و«عثمان» في حلب عن الخدمة خلال المعارك التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود
كما تحول مشفى السويداء الوطني إلى أحد أبرز الأمثلة على العنف المسلح داخل منشأة صحية
لماذا يتحول الخلاف الطبي إلى اعتداء؟
ترى طبيبة كانت شاهدة على أحد الاعتداءات، وفضلت عدم الكشف عن اسمها، أن آثار العنف لا تتوقف عند الإصابات الجسدية التي قد يتعرض لها الطبيب أو الممرض، بل تمتد إلى حالتهم النفسية والمهنية
وتقول إن العمل تحت الضغط والتهديد قد يدفع بعض الكوادر إلى الانكفاء عن العمل في البيئات الخطرة، بسبب عدم شعورهم بالحماية الكافية أثناء أداء مهامهم
وتربط الطبيبة بعض حالات العنف بحالة المرضى ومرافقيهم، موضحة أن الألم الشديد أو الخوف على حياة المريض، إلى جانب عدم فهم الإجراءات الطبية ونتائجها، قد يتحول في بعض الحالات إلى شك واتهام للكوادر، خصوصاً عندما تكون حالة المريض حرجة أو تنتهي بالوفاة
لكنها تؤكد رفضها لأي شكل من أشكال العنف، وتدعو الأهالي إلى التعبير عن اعتراضاتهم وطلب حقوقهم بوسائل غير عنيفة، لأن استمرار عمل المشافي يحتاج إلى كوادر تشعر بالأمان، في وقت يحتاج فيه ملايين السوريين إلى الخدمات الطبية
ويشاركها عضو مجلس الشعب السوري محمود مصطفى رفض الاعتداءات، معتبراً أن المرض والقلق والضغط النفسي الذي يعيشه المرضى وذووهم قد يفسر بعض حالات التوتر، لكنه لا يمكن أن يشكل مبرراً للاعتداء على الكوادر الطبية
ويرى مصطفى أن ضعف الموارد والإمكانات وتراجع مستوى الخدمات الصحية أسهما في إضعاف ثقة بعض المواطنين بالمنظومة الطبية، بالتوازي مع الضغوط التي تواجهها الكوادر الصحية، ما يتطلب، بحسب رأيه، إصلاحاً مؤسساتياً
مطالب بتشريع يحمي الطبيب ولا يعفيه من المساءلة
يربط نقيب الأطباء السوريين مالك العطوي جانباً من استمرار الاعتداءات بوجود قصور في القوانين التي توفر الحماية للأطباء أثناء ممارسة عملهم
ويطالب العطوي بإصدار تشريعات تجرّم الاعتداء على الطبيب، سواء داخل عيادته أو في المشفى، مع فرض غرامات مالية مرتفعة، مشيراً إلى أن نقابة الأطباء تعمل على إصدار قوانين تنظم ممارسة المهنة وتحمي حقوق الطبيب والمريض معاً، بالتنسيق مع وزارات العدل والصحة
ويؤيد مصطفى تطوير إطار تشريعي أكثر وضوحاً وفاعلية، يتضمن حماية العاملين في القطاع الصحي أثناء أداء واجبهم، مع الحفاظ على حقوق المرضى
ويشير إلى ضرورة تجريم الاعتداء على الكوادر والمنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والمعدات الطبية، إلى جانب وضع إجراءات أمنية وتنظيمية واضحة داخل المشافي وتسريع إنفاذ القانون بما يحقق الردع ويحافظ على استمرارية الخدمة
كما يقول مصطفى إن العمل جارٍ بين مجلس الشعب ووزارات العدل والصحة والتعليم العالي لإعداد تشريع متكامل ينظم المسؤولية الطبية، معتبراً أن الملف من الأولويات التشريعية المقبلة
المسؤولية الطبية.. أين ينتهي الخطأ ويبدأ الاعتداء؟
تطرح الاعتداءات المتكررة سؤالاً موازياً يتعلق بكيفية حماية الطبيب من العنف من دون تحويل هذه الحماية إلى حصانة، وكيف يمكن للمريض الحصول على حقه في الشكوى والمساءلة من دون أن تتحول الشكوى إلى تهديد للكوادر الطبية
وتشدد الطبيبة على ضرورة التمييز بين النتيجة الطبية السيئة والخطأ الطبي، موضحة أن وفاة المريض أو إصابته بعاهة دائمة لا تعني تلقائياً وقوع خطأ طبي، كما أن حدوث نتيجة سيئة لا يعني بالضرورة غياب مسؤولية الطبيب
وبحسب شرحها، يرتبط الخطأ الطبي بإخلال مقدم الرعاية بواجباته المهنية أو بالأصول الطبية المتعارف عليها، مع ضرورة إثبات الضرر والعلاقة السببية بين هذا الإخلال والنتيجة
وفي المقابل، قد تحدث مضاعفات أو نتائج سلبية رغم التزام الطبيب بالأصول العلمية وبذل العناية المطلوبة، وهو ما يجعل تحديد المسؤولية بحاجة إلى تقييم طبي متخصص، لا إلى رد فعل مباشر من المريض أو ذويه
ويؤكد العطوي أهمية هذا التفريق، موضحاً أن أي إشكالية طبية يفترض أن تحال إلى لجان طبية مختصة لتحديد ما إذا كانت الحالة ناجمة عن اختلاط طبي أو إهمال أو تقصير أو خطأ من الطبيب أو الكادر أو المشفى، وبناء على تقرير اللجنة تتحدد المسؤولية والعقوبة
ويشدد مصطفى بدوره على أن وفاة المريض أو حدوث مضاعفات لا يعنيان تلقائياً وجود خطأ طبي، كما أن حماية الطبيب لا تعني إعفاءه من المساءلة عندما يثبت ارتكابه خطأ
حماية المنشآت الصحية شرط لاستمرار الخدمة
تظهر الوقائع المتتالية أن المشكلة لا تتعلق فقط بحماية الأطباء من الاعتداء الجسدي، بل بسلامة المشافي باعتبارها أماكن يفترض أن توفر العلاج للمرضى في ظروف آمنة
فالهجمات والتهديدات والاعتداء على المعدات قد تؤدي إلى تعطيل أقسام أو توقف خدمات، بينما يؤدي انسحاب الكوادر أو إضرابها إلى تقليص قدرة المنشآت على الاستجابة للمرضى، في قطاع يعاني أساساً من ضعف الموارد والحاجة إلى الخدمات
وتطرح هذه الوقائع الحاجة إلى مسارين متوازيين: إجراءات أمنية تمنع الاعتداء على الكوادر والمنشآت، وتشريعات واضحة تحدد المسؤولية الطبية وآليات تقديم الشكاوى والتحقيق فيها
وبذلك، فإن حماية الطبيب لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة تمنع مساءلته عند ثبوت الخطأ، كما أن حق المريض في الشكوى والحصول على الإنصاف لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للعنف، فيما تبقى سلامة المشافي شرطاً أساسياً لاستمرار تقديم الرعاية الطبية للمرضى
اقرأ أيضاً:مأساة المرضى على أرصفة العاصمة: رحلة المعاناة من الشرق السوري إلى مشافي دمشق