أموال داعش المدفونة في سوريا.. 47 مليون دولار ظهرت والباقي تحت الأرض
لم تنتهِ قصة أموال تنظيم “داعش” مع سقوط مناطقه وسيطرة خصومه على المدن التي حكمها. فبينما انحسر التنظيم عسكرياً، ترك خلفه شبكة مالية أكثر غموضاً، جزء منها لم يخرج إلى البنوك أو الخزائن، بل اختفى تحت الأرض في سوريا والعراق، بانتظار من يعرف مكانه أو يعثر عليه مصادفة.
وبحسب تحقيق مشترك لمجلة “نيو لاينز” ومؤسسة “سراج” السورية للصحافة الاستقصائية، استند إلى أكثر من 200 وثيقة مالية وأمنية داخلية ومقابلات مع مصادر وخبراء، كان دفن الأموال جزءاً من خطة منظمة لحماية الاحتياطي المالي من السقوط بيد السلطات.
خزائن تحت الأرض
مع اقتراب خسارة التنظيم أراضيه، صدرت توجيهات إلى قياداته بتوزيع الأموال على مواقع متعددة. وتورد وثيقة داخلية عبارة مباشرة: “ادفنوا المال”، فيما تضمنت تعليمات في أيار 2021 إخفاء الأموال في “عدة أماكن آمنة” لاستخراجها لاحقاً عند الحاجة.
ولم تكن جميع المخابئ حُفراً بدائية. فقد أُنشئت منشآت إسمنتية تحت الأرض، مزودة بأسقف خرسانية ووسائل تهوية وحماية من الرطوبة، إلى جانب مخابئ أصغر داخل المنازل والمزارع وفي مناطق صحراوية نائية.
ووثق التحقيق خلال أكثر من 20 شهراً تسع عمليات كبيرة عُثر خلالها على أموال وذهب ومعادن ثمينة، بقيمة لا تقل عن 47 مليون دولار، تركز معظمها على الممر الممتد من دير الزور إلى الأنبار.
أرقام تكشف حجم الثروة
في الموصل وحدها، عثرت السلطات عام 2021 على أكثر من 1.5 مليون دولار و17 مليون دينار عراقي و15 كيلوغراماً من الفضة ونحو نصف كيلوغرام من الذهب داخل منزل استخدمه التنظيم مقراً مالياً.
وفي مناطق عراقية أخرى، كشفت عمليات البحث عن دفائن بملايين الدولارات، بينها نحو ثلاثة ملايين دولار في البعاج ودفينة قرب القائم قدرت قيمتها، بما فيها الذهب والدولارات، بنحو 16 مليون دولار.
ولم تكن هذه الأموال كلها ملكاً للتنظيم. فقد أخفى عناصر وقادة أيضاً مدخراتهم الشخصية وأسلحتهم، وبعضهم ترك إشارات أو أبلغ أشخاصاً موثوقين بمواقعها.
ثروة مدفونة.. وفوضى فوق الأرض
أدى انتشار المخابئ إلى ظهور ما يشبه سوقاً غير رسمية من “صيادي كنوز داعش”، بينهم حفارون ووسطاء وأعضاء سابقون في التنظيم، يبحثون عن الدفائن مقابل حصة من الغنائم.
وفي بعض الحالات، لم يكن الوصول إلى المال بلا ثمن. فقد تحول البحث عن دفائن التنظيم إلى سبب جديد للعنف والابتزاز، كما تظهر واقعة في دير الزور تعرض خلالها أفراد عائلة للاستجواب والعنف بعدما عثروا على ذهب مدفون.
ما الذي بقي تحت الأرض؟
لا توجد أرقام حاسمة لحجم الأموال التي لم تُكتشف بعد. وقدرت مراكز بحثية أميركية بعد خسارة التنظيم أراضيه احتياطاته المتبقية بملايين الدولارات، بينما قدرت وزارة الخزانة الأميركية الأصول السائلة والنقدية للتنظيم في سوريا والعراق بما بين 10 و20 مليون دولار.
لكن هذه التقديرات لا تشمل بالضرورة كل الأموال المدفونة أو الأصول غير السائلة والشبكات المالية الممتدة خارج البلدين.
الأكثر إثارة للقلق أن السلطات السورية، في ظل الحكومة الانتقالية، لا تبدو حتى الآن صاحبة صورة مكتملة عن هذه الخريطة المالية السرية. فالتحقيق قال إنه طلب معلومات من وزارة الداخلية السورية وقوات سوريا الديمقراطية وقيادة التحالف الدولي حول المخابئ المكتشفة وتلك التي لم تصل إليها عمليات البحث، من دون تلقي رد.
وهنا لا تكمن المشكلة فقط في ملايين الدولارات المختبئة تحت التراب، بل في غياب معرفة رسمية دقيقة بمصير أموال تنظيم كان يمتلك لسنوات اقتصاداً موازياً عابراً للمناطق والحدود.
فالأرض السورية قد تكون ما تزال تخفي جزءاً من خزينة “داعش”، لكن الأخطر أن تبقى الدولة نفسها عاجزة عن معرفة أين تبدأ هذه الخزينة وأين تنتهي.
اقرأ أيضاً: بين الاعتقالات والروايات.. ماذا تكشف تحركات “داعش” عن حجم انتشاره في سوريا؟